(وقت القراءة: 1 دقيقة)


رميو: الرجل الذي عشق ذاته


إذا أردنا تصوير الأمر بلغة عصرنا، فإن روميو ضغط بزر الفأرة الأيمن على "روزالين" وأودعها سلة المهملات. ثم ضغط على السلة مجددا وفرّغها من أي أثر لهذه التي كواه عشقها وصدها. كيف حدث ذلك؟ وهل يتخلى الإنسان عن تعلقه بهذه السهولة والسرعة؟ رجل من فصيلة "رميو"، يمكن له ذلك وبسهولة جدا.

كان روميو المكتئب في حفلة يلاحق روزالين العصيّة التي لا تمحضه الحب بتاتا. يحاول روميو اقتناص نظرة لروزالين لعل وعسى، فيحدث أمر هام يجعل روزالين نسيا منسيا؛ "جولييت"! وجد روميو امرأة جميلة، وتحمل ذات القدر من "التحدي". امرأة يمكن أن يصفع روزالين بها.

من هي هذه الجولييت؟ هي مثل روزالين، سليلةٌ لآل كاپيولت، الأعداء التقليديين لعائلة روميو "آل مونتگيو". هي مثل روزالين امرأة صعبة منطقيا، امرأة لن تسمح له الظروف بالزواج منها. كل من روزالين وجولييت من الصنف ذاته: الفاكهة المحرمة والحلوة! المرأة-المستحيلة، المرأة-الجائزة، المرأة-النضال، المرأة-المعركة. المرأة التي عليه أن يقاتل ويتحدى ليفوز بها، المرأة التي تجعله يبدو بطلا خالدا، المرأة التي تحوله إلى أسطورة. مفيدات هن النساء من هذا النوع!

جولييت قد تضارع روزالين جمالا، لكن الأهم من هذا هو أنها لم تصده كما فعلت روزالين. إذا، هي أيضا المرأة السلوى، المرأة الأداة التي يمكن له بواسطتها أن ينسى روزالين. جولييت أداة الاستشفاء، وقرص الـ"پندول" الفوري المفعول.

ويشتعل الحب؛ حب روميو لذاته! النرجسيون لا يحتاجون وقتا كي يعالجوا قلبهم المكسور، بل يكفي أن يستبدلوا إنسانا بآخر. فحبهم لذاتهم هو الثابت، وباقي أنواع الحب هي مطايا لخدمة ذواتهم وتدليلها.
نرجسية روميو تختمر وتنتفش، هذا الرجل الواقع في غرام ذاته. لذا، كان لا بد له من أن يكرم هذه الذات العزيزة بحب أجمل امرأة موجودة، وبأصعب امرأة منالا، سواء أكانت روزالين أو جولييت أو حتى مدبرة منزل آل كاپيولت. هو كمن تشتري زيا ليس لأنه يناسبها بل لأنه لم ينتج منه إلا قطعة واحدة، أو كمن يشتري سيارة من سيارات الإصدارات المحدودة لا لأنها تنفعه بل لأنه بها يحقق الفرادة. كل هؤلاء، تفرض عليهم أنانيتهم الطاغية أن يكونوا مختلفين، وأن يكونوا برفقة الأشياء النادرة، والبشر أشياء تُقتنى في نظر هؤلاء الأشخاص. لا يهم أن تكون جولييت مناسبة، المهم أن تحقق لذاته المتضخمة مزيدا من التضخم والخلود. هو بها يتفاخر، بها يخلد، بها يُشار إليه.

يقول بعض النقاد أن شكسپير اختار نهاية مأساوية للمسرحية (بموت كلا البطلين) ليخلد طيش روميو الذي جنى على جولييت وعلى نفسه. صحيح أن العائلتين تصالحتا بعد موت البطلين، لكن كان يمكن أن تتصالحا بطريقة أقل فجعا. هناك مغزى أعمق في النص. ويظن الناس أنها من قصص الحب الخالدة. أجل، هي كذلك، هي قصة حب رجل لنفسه!


خلاصة:

إذا رأيت شخصا يبدل حبا مكان حب بسهولة وفورية، فأعلم أن هناك "أنا" تتضخم.



قيس: الرجل الذي عشق قصته

أبدا، لا أشك في أمر قيس، فقد أحب ليلى بصدق وبعشق. أحبها إلى درجة أنه كان مستعدا أن يفقدها كي يخلُد هذا الحب. أحبها لدرجة أنه نسي حبها هي ووقع في غرام حبهما. وقع في غرام قصتهما القابلة للتحول إلى أسطورة.خفتت ليلى، وسدت الأفق غيمة كبيرة مهيبة هي: "قصة" حبهما.

يفكر قيس:
- آه! لو تكبر هذه الغيمة، فتتسيّد الأفق، فيراها القاصي والداني. ويعرف البرايا من إنس وجن قصتنا. تعرف الأجيال، وينشد الشعراء، ويكتب المؤرخون.

ويفكّر قيس، ويقدّر:
- وحينها سأكون أنا الشاعر الأغر الأمجد. حينما يقال قيس، لن يخطر في أذهان الناس إلا أنا. لن يحتاجوا أن يقولوا "بن الملوّح" بل حسبهم أن يقولوا قيس.

وتكبر الغيمة، وتختفى ليلى أكثر فأكثر. وإذا لم تتحول الأقصوصة من تلقاء نفسها إلى أسطورة، لا ضير من أن تدفعها دفعة صغيرة لتغير مجرات الأحداث، لا ضير! فتقول نفس قيس له، ويقول لها:
- هكذا أسطورة، لا بد لها من شعر مختلف ومخالف. أفلا أفصح وأخبر الكون باسم معشوقتي؟ ليلى العامرية.

- لا! سيهيج قومها! لن يزوجوني إياها إن أنا ذكرتها بالاسم. يا لهذه التقاليد الصخرية.

- وما يضير الأسطورة العادات الباليات؟ اذكرها يا قيس، اذكرها. اكسر التقاليد بشعرك الفتّان، بشعرك الفتّاك. سيرضخ الكل لأسطورتكما، وستتغير الأعراف من أجلكما. ستدخل التاريخ يا قيس تحت اسم: الشاعر الذي نسخ الأعراف، الشاعر الذي نسف النظام! الشعر يريد إسقاط النظام، الحب يريد إنشاء نظام جديد.

تنتفخ الخيمة وتنتفش، ويشبب قيس بليلى. يهيج القوم، تمور الأحداث. ها هم قومها يرتبون لها زواجا حفاظا على سمعتهم. يهتف قيس:
- قومها يمكرون بغيمة حبنا! سأخطبها وأتزوجها، وستنتصر الأسطورة، وستحل النهاية السعيدة.

ويردون قيسا خالي الوفاض. وكيف يكفون ألسنة الناس إذا هم زوجوهما؟ سيقول الناس إنما زوجوهما لدرء الفضيحة. لا بد من تزويج ليلى برجل آخر، لتعلم العرب أن ليلى نقية السمعة ولا تربطها أي علاقة بقيس، وأن قيس هذا مخبول يحبها من طرف واحد.

يصرخ قيس في نفسه:
- لا! فكرتي، أسطورتي، قصتي العزيزة، غيمتي الخالدة. لا يمكنكم أن تحرموني منها. سأخلد جرحي شعرا. لا يمكنكم أن تمنعوني من ذلك.

وتنمو بقلة الأنا، وتزهر نرجسة. وتختفى ليلى تماما، هي الآن قصته هو ، وأسطورته هو، وجرحه هو. أنسي أنها أيضا جنايته هو، وتسرعه هو، وحبه لذاته هو، لمجده هو، لمدحه هو، لخلوده هو؟
ويظن أنه يتعذب وحده، ومن قال أنها تتنعم وقد زوجت غيلة ومقتا؟ وبسبب من؟ بسبب حبيبها المتسرع الأخرق، الذي عشق قصة حبهما، وإمكانياتها الأسطورية الخلودية، فسحق من يحبها بقدميه، ثم وقف على جمجمتها المهشمة ينشد للعالم معاناته ووجعه.

خلاصة:

إذا رأيت حبيبا يؤذي من يحب بطيشه وغباوته، فأعلم أن هناك "أنا" تتضخم. وأعلم أيضا أنه في النهاية، سيؤذي نفسه التي أراد إكرامها في البداية.

* * * * *

إغماضة:

وتُتلى القصص، ويصدّق العالم، ويتجرع العالم، ويخلّد العالم، ويضرب بهم الأمثال العالم؛ العالم الغافل. إي والله، إنها "بروباغاندا" قديمة جدا!