(وقت القراءة: 1 دقيقة)

تخيَّلوا أن أحدهم قال لزميله -ملاطفا- في ليل رمضان "يا مُفْطر، تبسّم!" فما ردة الفعل المنطقية برأيكم؟
لاحظوا رجاءً أنه قالها في ليل رمضان لا في نهاره، وأنه قالها ملاطفا لا مُغاضبا. ما أظن أن ردة الفعل ستكون سوى التبسُّم وربما الضحك من نباهة الأسلوب وطرافته. فنتبسّم نحن، سيتبسّم حتما الذي وُجهت العبارة إليه، ويكون هذا الشخص قد حقق هدفه وهو حمل زميله على الابتسام بطريقة مرحة وفطينة؛ بطريقة "المزاح الصادق"، فزميله فعلا مُفطر، لكنه مفطر لأنهم في ليل رمضان.


الآن، تخيلوا طرفا ثالثا يتدخل –بسوء نية أو بسوء فهم أو بكليهما!- معلّقا على هذا الموقف فيشنِّج الأجواء، ويتهم القائل بأنه يغمز من قناة زميله ويتهمه بالإفطار، بل أن الاستهزاء به قد بلغ مبلغه فطلب منه الابتسام إمعانا في السخرية، وهذا إن دل فإنما يدل على أن القائل يحمل شعورا ضمنيا بالاحتقار لزميله، وهذا الاحتقار جزء من منظومة فكرية وأكثر شراسة واستشراء يمثلها القائل وتحمل في طياتها الاحتقار للآخرين ومحاسبتهم وتخطيئهم! ويستمر الطرف الثالث يرغي ويزبد ويدبّج، ويهرف بما لا يعرف. ماذا ستكون ردة فعلكم بالله عليكم سوى الابتسام، أو ربما الضحك من "الطرف الثالث" هذا، لكنها قطعًا ابتسامة إشفاق لا ابتسامة استحسان!

الآن أطلب منكم مرّة أخرى أن تجهزوا على ما بقي من مخزون الخيال لديكم وتتخيلوا أنه وبعد أن قال الطرف الثالث مقولته، يأتي "طرف رابع" ويبدأ –بسوء فهم، أو هذا ما أرجوه!- باتهام الشخص الأول أنه مُفطر مجاهر بالإفطار، والدليل أن زميله قال له ذات مرة "ابتسم يا مفطر"، وبناء عليه يجب الحذر منه والابتعاد عنه خوفا من العدوى، إذ يبدو أنه لا خير فيه ولا رجاء من برئه، وإلا لما جهر زميله باتهامه إياه أنه مفطر إلا من باب التحذير بعد أن استنفد قطعا جميع وسائل المناصحة والإصلاح!



***


أكاد أجزم بأنكم تضحكون من هذه المَلْهَاة السوداء، لكن صدقوا أو لا تصدقوا هذا ما فعلناه ونفعله مع أحد الأحاديث النبوية الشريفة؛ حديث "ناقصات عقل ودين" الشهير! ففي الحديث مازح النبي صلى الله عليه وسلم النسوة في يوم العيد وهو –بأبي هو وأمي- لا يمزح إلا صادقا، فقال لهن حاثّا إياهن على التصدُّق:
"يا معشر النساء تصدَّقن فإني أريتكن أكثر أهل النار. فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن"
وسأترك الجزء الأول من الحديث المتعلق بكون النساء أكثر أهل النار وأسباب ذلك. سأتركه لنفسي ولأخواتي الحوائيّات لنتفكر فيه ونتدبر عسانا ننجو من نار جهنم، وقد "عرفت، فالزم"!
أما القسم الثاني من الحديث فهو ما يعنينا في هذه المقالة. ويبدو أن الصحابيات -رضي الله عنهن- لم يصلهن للوهلة الأولى المقصد من العبارة، وأنها عبارة ممازحة ذكية، فقلن:

"وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟
قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟
قلن: بلى.
قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟
قلن: بلى.
قال: فذلك من نقصان دينها."


***

سؤالي هنا، ألا يشبه هذا ما جاء في هذا الموقف، الحالة التخيلية التي تحدثت عنها في بداية المقالة؟ هل المفطر في ليل رمضان آثم أو "ناقص دين"؟ قطعا لا، فهذا أمر الله، وكذلك هي المرأة حين لا تصوم ولا تصلي فإنما هي تنفذ أمر الله، كما ينفذ المسلم أمر الله في عدم الصيام ليلا.


وكذلك أمر شهادة المرأة، إذ نعلم أن شهادة المرأة تعادل نصف شهادة الرجل في حالة واحدة هي المداينة في السفر والتي وردت في سورة البقرة. وذلك لأن المرأة لم تكن تتولى هذه الأمور إلا فيما ندر، فضلا عن عدم جواز سفرها دون محرم مما يصعب ممارستها لها، وبالتالي يكون اهتمامها بتفاصيل الأمر أضحل، وتذكرها لها أقل، والدليل على ذلك قوله تعالى }أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى{ أي أن الأمر مُسبب، وليس راجع إلى أن المرأة تَعْدِل نصف الرجل مثلا بالمطلق كما يحلو للبعض أن يفهم! وقد جاءت مقولة  النبي صلوات ربي وسلامه عليه وظاهرها العمومية من باب الملاطفة لا من باب الاتهام. وتخيلوا –مرة أخرى- أننا في محاضرة عن هندسة الروبوتات وقد بدا علينا أننا لا نفقه شيئا مما يقال، وجاء أحدهم يمازحنا ويقول لنا أننا "ناقصو عقل"، فهل نغضب منه؟ حتما لا، فالعقل وعاء المعرفة، ونحن في أمر هندسة الروبوتات فعلا ناقصو عقل، فلم الحساسية؟ وكذلك نقصان عقل النسوة في أمر الشهادة راجع إلى أنهن لم يَخْبُرن هذا المجال، ولهذا كانت شهادتهن فيه أدنى.


ولا أريد في هذا المقام أن أستغل الوضع لصالح بنات جنسي، وأبيّن أن هذا الحديث -على العكس مما يفهم منه- فيه مديح عظيم للمرأة، إذ بين النبي –صلوات ربي وسلامه عليه- مقدرة المرأة إلى إذهاب عقل أكثر الرجال حزما، فهذا ليس موضوعنا.

وينقضي الموقف، وتنفرج الأسارير، وتتصدق الصحابيات رضي الله عنهم وأرضاهن. لكن بين الفينة والأخرى، ومن جوف الظلام، يظهر لنا طرف ثالث أو رابع يرغي ويزبد ويدبّج، ويموج بعضهم في بعض. أما من فهم ووعى، فسيتبسّم حتما. سيتبسم، وسيتصدَّق، وسيصدِّق بأن الإسلام دين عظيم، وبأنه دين لا ذنب له في أن هناك من يسيء النية، وأن هناك من يسيء الفهم أو لا يريد أن يفهم أصلا!


مهلا، مهلا! بما أن بعض أصحاب الطرف الثالث والرابع ينقصهم حسن النية (والنية محلها القلب) ما رأيكم أن نسميهم "ناقصو القلب"؟ وبما أن بعضهم ينقصه الفهم (والفهم محله العقل) ما رأيكم أن نسميهم بناقصي العقل؟ ونقول لهم ملاطفين ممازحين، يا ناقصي القلب والعقل، اسمعوا وعوا، وتبسّموا، فـ"تبسمك في وجه أخيك صدقة"! :)