(وقت القراءة: 1 دقيقة)

وإن كانت مجتمعاتنا تشجع المرأة على الخنوع والصمت والتسليم وترى أنه هذا من موجبات الرقة والأنوثة، فإن للإسلام وجهة نظر مختلفة تماما! فيما يلي صحابيات فهمن دينهن جيدا، فهمن أن الإسلام لا يقبل بأن يتعرضن لظلم، ولا يقبل أن يصمتن بحجة أن هذا يليق بالمرأة. وإن كان المثل الفرنسي يقول "كوني جميلة واصمتي"، فإن هؤلاء النسوة قلبن الطاولة على هذا المثل، وكن هن أمثلة تصدح بمثل جديد: كوني حرّة، وتكلمي!

المرأة التي جادلت، فأنزلت سورة!

امرأة وقفت تجادل النبي وتحاوره، امرأة جسورة وذات إصرار. يجيبها النبي –صلى الله عليه وسلم- بأن ما فعله زوجها مباح وأن عرف العرب يقرّه، وأن لا حكم شرعيا يحرّم ذلك. فلا تنصرف كما يفترض البعض، بل تجادله وتطالبه بحل مشكلتها وتشتكي إلى الله حالها. ترى، ماذا لو حدث هذا في زماننا؟ أما كان القوم أهدروا دمها، أو وصفوها بالوقاحة وسلاطة اللسان؟

ماذا حدث لهذه المرأة التي لم تتزحزح عن حقها في إيجاد حد لظُلامتها؟ نصرها الله بأن أنزل سورة كاملة تحل مشكلتها وتنزل الحكم الشرعي والعقوبة بحق زوجها ومن يعمل عمله، وكرمها بأن سمّى السورة باسم ما فعلته "سورة المجادِلة"! وجدلها هذا جدل محمود ممدوح، و"إنّ لصاحب الحق مقالا" كما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم. وسُمى الله هذا الجدل بالمحاورة {... والله يسمع تحاوركما ...}. خولة بنت ثعلبة امرأة عادية لا نفوذ لها ولا سلطان سوى شعورها بالظلم، وشعورها الأعمق من ذلك بعدالة الله المطلقة. لم تصمت حينما قيل لها أن الشرع صمت عن المسألة، بل أخذت تطالب حتى نزل الحكم الشرعي من فوق سبع سماوات.

ماذا نفعل ونحن في عصر وقف فيه الوحي؟ لا تتوقعن أن تجدن حلا لكل مظالمكن في الشريعة، فهناك ما سُكت عنه وترك لتطور المجتمع كي يحله ويغيره. قفن كما وقفت خولة رضي الله عنها تتحاور وتجادل إلى أن نالت مرادها. لم تنل خولة انتصارا لنفسها، بل استصدرت حكما شرعيا تنتفع به النساء وينتفع به المجتمع ويتطور إلى يوم الدين. آه، كم في ميزانك أيتها الشجاعة؟

تقول الكاتبة والباحثة في التاريخ "لوريل ألريك" "النساء المهذبات نادرا ما يدخلن التاريخ". النساء الخاضعات، الساكتات، السابحات مع التيار نادرا ما يدخلن التاريخ، نادرا ما يُكتبن في التاريخ، ونادرا ما يكتبنه أيضا. خولة بنت ثعلبة، أنت امرأة كتبت جزء من تاريخ ديننا، فلتكتبي ولتذكري إلى يوم الدين. بك سأباهيهم، بك سأفتخر.

المستشارة أم سلمة تسأل

لازلنا حتى اليوم نغلّب التذكير على التأنيث لغة، فحين نخاطب جمعا من الرجال والنساء نقول لهم "أنتم" حتى لو كن جماعة من النساء بينهن رجل واحد!

الحكيمة أم سلمة رضي الله عنها، ذات العقل الراجح، مستشارة النبي صلى الله عليه وسلم، رفعت إليه سؤالا: "ما بال الرجال يذكرون ولا تذكر النساء فـي الهجرة؟"

كان بإمكان أحد من زماننا لو سمع سؤالها أن يقول لها: أن يقول لها أن هذا هو كلام العرب، وأن التذكير لا يعني عدم شمولهن، وأن عليها ألا تكون حساسة إلى هذا الحد. لم يقل لها أحد ذلك، بل نزلت الآية الكريمة استجابة لسؤالها المستنير:

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىَ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ ...} (آل عمران، 195)

فاستجاب لها ربها! ثم فعلت نسوة مثلما فعلت هي أيضا! جاء في تفسير الطبري: "دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقلن: قد ذَكَركُم الله في القرآن ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر؟ فأنـزل الله عز وجل:

{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب، 35)"

والأرجح –والله أعلم- أن يكون فعل النساء هذا بعد فعل أم سلمة. فسورة آل عمران في ترتيب النزول تسبق سورة الأحزاب.  كل هذا ما كان ليحدث لولا مطالبة وسؤال شجاع من أم سلمة. هل طالبت بالكثير وغير المعقول؟ ماذا يضر المرأة لو ظلت ضمن جماعة الرجال؟ أليست هذه هي اللغة، ونحن نخضع لها ولا نُخضعها؟ كلا، رفعت أم سلمة رضي الله عنها السقف عاليا جدا. لقد علمتنا أن ما نستحقه لا يأتي بالضرورة على أطباق مزيّنة، بل لا بد من مطالبة به، وسؤال عنه، حتى وإن استنكر البعض أو الكل هذا السؤال، فإن الله لا يستحيي من الحق ولا يستنكره، بل يستجيب له استجابة تليق بما هو أهله من اللطف والرحمة، والعدل والحكمة.

 

الأنصاريات المعلِّمات

رغم أن مكّة معقل تجاري وقبلة دينية منذ زمن، إلا أن وضع المرأة فيه يختلف عن وضع المرأة في المدينة. فالمدينة مجتمع زراعي، يمكن للمرأة أن تعمل فيه وبالتالي يتهيأ لها شيء من التحرر لا يتهيأ للمرأة في المجتمع المختلف بيئيا سواء أكان بادية أو حتى حاضرة تمتهن التجارة. ولعل وأد بعض العرب للبنات في الجاهلية كان لكونهن عالة اقتصادية، فهي تكلف الأسرة ولا تنفع، فلا هي ترعى القطيع، ولا تخوض الحروب، ولا تتاجر. فكان الحل -في حال الفاقة- أن توأد، وأن يغلف هذا بغلاف من السكر يسمى: "الخوف على الشرف"!

ما يهمنا هنا، هو أن نساء مكة حين هاجرن إلى المدينة أخذن من طباع نسائها. يقول عمر رضي الله عنه: "كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نسائهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار." وقالت عائشة رضي الله عنها "نِعْمَ النساءُ نساء الأنصار، لم يكن يمنعهنَّ الحياء أن يتفقهن في الدين" حينما قامت أسماء بنت شكل الأنصارية بسؤال النبي سؤالا تفصيليا عن غسل المرأة من الحيض.

وهنا نلاحظ أن نساء الأنصار قدمن نموذجا مختلفا للمرأة، فهن نساء عاملات أو يمكنهن العمل إذا احتجن لذلك، لا يترددن أن يسألن ويتفقهن في حين قد تتردد غيرهن، وكن يناقش أزواجهن في اتخاذ القرارات. وليس غريبا أن نعرف أن خولة بنت ثعلبة كانت من نساء الأنصار.

 

كل هذه أمثلة تعطينا فكرة عن المرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. نجد هناك المرأة واعية، وقوية، وحرة، وتطالب بحقها لسبب واضح جدا، وهي أنها تعلم يقينا أن هذا الدين لم يأت ليظلمها أو ليبقي الظلم السابق الواقع عليها. هذا بلاغ للنساء، بل بلاغ للناس ولينذروا به، أن هذا الدين جاء للعدالة والإنصاف، وأن ما يبرمجنا عليه المجتمع شيء يستلزم إعادة النظر، حتى لا نظلم أحدا أو نظلم أنفسنا ثم نلبس ذلك لبوس الدين.