(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 عرس في حديقة الحيوان هو ما أثار كل هذا! أجل، هناك زوجان اختارا أن يقيما عرسهما في حديقة حيوان لندن في ظهيرة سبت مشمس، ولعلها المكان الذي شهد أول لقاء للعروسين. هذا المشهد الطريف والغريب في آن، جعل رفيقتي في زيارة الحديقة (وهي طبيبة يونانية تعمل في إحدى مستشفيات لندن) تسألني عن تعدد الزوجات في الإسلام. ذاك النقاش الذي دار بيننا جعلني أعيد التفكير بعمق في هذا الموضوع الذي نميل إلى تناسيه وإنكاره. أحيانا يتطلب الأمر شخصا من ثقافة أخرى يناقشك حتى تفكر في بعض الأمور وتعيد وزنها، وأحيانا يتطلب الأمر حدثا طريفا -كزواج في حديقة حيوان- كي يُفتح نقاش مثل هذا.

* * * * *

قبل البدء:

أولا: ثمة أمر على الرجال قبل النساء، وعلى المسلمين قبل غير المسلمين إدراكه، التعدد مباح وليس فرضا وليس مستحبا، هو أمر مشروط بشروط، وليس الأصل في الحياة.

كما أنها مغالطة كبيرة بأن يرى التعدد على أنه رخصة، بل هو في حقيقة الحال تضييق، بل وتضييق مشروط. ففي السابق كان العرب وبعض الأمم الأخرى يعددون دون قيود عددية، بل وكانت بعض النساء في بعض الحضارات يعددن أيضا وإن كان هذا الأمر غير شائع. ثم جاء الإسلام ليقيد لا ليوسع. لذا، حينما يقال أن التعدد "رخصة"، فإن هذا من باب التجاوز المقارني ليس إلا، وحدث ذلك حينما صار اتخاذ زوجة واحدة هو الأشيع، فصار التعدد "رخصة"، بعدما كان تقييدا حينما نقارنه عما كان في الجاهلية.

كما أن بعد هذا التقييد، جاء حضّ في القرآن الكريم. ليس حضا على التعدد، بل على عدم التعدد! {... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ...}، {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ...}

ثانيا: أنه من الواضح أن الرجال –أو معظمهم- يتحلون بقلوب كبيرة! قلوب تتسع لأكثر من امرأة في الوقت ذاته، وهذا أمر تستصعب النساء فهمه لأنهن لم يكن رجالا من قبل. وفي الوقت ذاته، تتحلى النساء –أو معظمهن- بقلوب حساسة، حساسة لدرجة أنها لا تتحمل أن تشاركها أخرى في القلب الوسيع لزوجها، وهذا أمر يستصعب الرجال فهمه لأنهم لم يكونوا نساء من قبل. ولهذا السبب تظهر الوصمات الشهيرة بأن الرجل "عينه زايغة"، و"عينه فارغة"، وأن المرأة غيورة، وأنها مكارة وذات كيد. وكل هذا يشي بأن الجنسين لا يعرفان بعضهما البعض كما ينبغي، ولا يعيان اختلاف تركيبتهما النفسية والعاطفية. وهذا أمر مهم وواجب مناقشته، لكنه أمر تنوء بهذه هذه المقالة المحددة الهدف.

 

 

فائدة الطرفين:

لعصور طويلة، كان الزواج المتعدد شيئا يحمل منفعة للطرفين، وهذا أمر علينا معشر النساء التحلي بالإنصاف والاعتراف به. إلا أن هذا والوضع تغير في عصرنا هذا، وهذا الأمر على الرجال التحلي بالإنصاف والاعتراف به. وهذا يفسر النقمة المبررة والمتزايدة لدى النساء نحو التعدد جيلا بعد جيل، هذا لأنه أصبح أمرا مفيدا للرجال وحدهم دون النساء، في الغالب الأعم.

الفوائد التي يحظى بها الرجال كثيرة، وهم أقدر مني على سردها، فهده ليست نقطة جدل. نقطة التفكير هنا هي هل كانت المرأة تستفيد من التعدد؟

حينما أعود بالذاكرة إلى العصر الذي تزوجت فيه جدتي (الأربعينيات من القرن الماضي) وأحاول تخيل نفسي إحدى نساء ذلك العصر، أجد في نفسي غضاضة أقل تجاه الفكرة. بل وبعد التفكير، أجد أني لو كنت إحدى نساء ذاك العصر، لربما كنت من المدافعات وبضراوة عن التعدد!

في رواية "يوميات نائب من الأرياف" التي ألفها توفيق الحكيم، يسأل القاضي المرأة الريفية عن "صنعتها"، فتجيبه قائلة: "صنعتي حرمة"!

 ماذا كانت يمكن للمرأة أن تعمل في حياتها منذ بضعة عقود سوى أن تكون زوجة وأم؟ هل هناك نساء يمكنهن إعالة أنفسهن؟ القلة القليلة فقط. نعم، كان هنالك نساء من أسر ميسورة لهن أموالهن الخاصة، لكن تظل الطبقة العليا في أي مجتمع هي الأقل عددا، ولا يجوز أن تسن الأحكام بناء عليها. الطبقة الوسطى هي الفيصل، هي أغلبية المجتمع، هي المنطقة الوسطى التي "تمثل" المجتمع وظروفه. في ذلك العصر، وكذلك الأمر في العصور الطويلة السابقة له من تاريخ البشرية، كانت "المهنة" الرئيسة للمرأة هي أن تكون زوجة، وكان من الضروري جدا أن نجد رجلا لكل امرأة –تقريبا- في المجتمع. هذا، لا يكون ممكنا عمليا إلا إذا سمحنا لهامش من الرجال بأن يكون لهم أكثر من زوجة. هذا راجع لأسباب ديموغرافية واقتصادية في الوقت نفسه. علينا أن نلاحظ أن هناك حاجة مُمضة لتزويج أكبر قدر من النساء، لكن ليس لجميع الرجال القدرة على الزواج بشكل متكافئ. بمعنى إذا قلنا أن علينا تزويج 90% من نساء ذلك المجتمع، فإننا نجابه بحقيقة أن 75% فقط من الرجال "المتاحين" مستعدون للزواج من الناحية المادية على الأقل. الفارق هنا، يذهب إلى زواجات متعددة. أعتذر إن كنت قاسية حينما أحول البشر إلى مجرد إحصائيات، لكنها مجرد محاولة للفهم. طبعا أنا أتحدث هنا على افتراض تساوي عدد الرجال والنساء المتوفرين للزواج. قد، تكون الحاجة للتعدد أكبر إذا زادت أعداد النساء عن الرجال أيا كانت الأسباب التي يمكن أن نمضي وقتا كبيرا في سردها.

إذا، تعدد الزوجات ولعصور طويلة كان أشبه بنظام لمكافحة البطالة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والكفاية الاقتصادية، بل ومكافحة الجريمة وانحلال المجتمع! هل يمكنكم أن تتخيلوا ذلك؟!

 

 

وكي نفهم الآلية التي تدور فيها ظروف العصور الماضية، فلنتخيل كلمة "أرملة" أو "يتيم"ووقعها على النفس آنذاك. كان الزواج بأرملة التي فقدت معيلها أمرا بطوليا إلى حد كبير، ورعاية أبنائها تضحية فذة. في حين أن هذا الأمر لا يحمل معنى مشابه في عصرنا هذا، إلا في مجتمعات محددة ومعدودة. 

وحينما نعود إلى عصور أبعد، العصر الجاهلي تحديدا، نجد إدراكا ما بكون المرأة –وعذرا على التعبير- عالة اقتصادية. وأنا أزعم أن وأد البنات في الجاهلية كان يتم لأسباب اقتصادية، ويغلف بغلاف إعلامي جميل بأنه يفعلون ذلك كضربة استباقية للحفاظ على الشرف! فالفتاة آنذاك عبء واضح، وتكلفتها أكبر بكثير من منفعتها للقبيلة. فهي ولسنوات تأكل وتشرب وتستهلك الموارد، في حين لا تقدم ما يعادل استهلاكها من منتجات أو خدمات للقبيلة. فلا هي تقاتل بسيفها، ولا هي تشارك في غنم الغنائم، ولا هي تدافع بسيف شعرها عن القبيلة. فكان الحل الأسهل لدى بعض القبائل هو وأد الفتيات حينما تُظْهر الحسبة أنهن فائضات عن الحاجة، وثم الإدعاء بأنهم يفعلون ما يفعلونه بهن لصالح الخير والحق والشرف. وهذا مثال قبيح جدا ومؤذ لقدرة المجتمع على تسويغ الظلم والتنكيل. أقول هذا لأدلل على أن المرأة ولعصور طويلة لم تكن كائنا مستقلا ومنتجا اقتصاديا، بل كانت كائنا اعتماديا.

 

ما أريد الخلوص إليه من هنا، أنه ولقرون طويلة، لطالما كان التعدد ينطوي على مصلحة عامة، يتبادل فيه طرفا المجتمع المنافع بشكل متساوٍ تقريبا. هذا لا يعني أن التعدد لم يلق معارضة، خاصة من الزوجات الأوليات، ولنا في كلمة "ضرة" تعبير عن الحالة التي يشعرن بها إزاء ذلك. لكن حديثي هنا على مستوى "الماكرو" أو النظرة العامة لهذا الممارسة على مستوى المجتمع ككل.

ومن الممتع هنا أن نرصد بعض المفاهيم والتعبير التي ظهرت في تلك الظروف. فتعبير العنوسة مثلا متصل تماما بروح تلك العصور. فالمرأة التي لا تتزوج في ذلك العصر تتلقى وصمها بتلك الصفة، كما يوصف الطالب غير المجد بصفة "الكسول"، أو الرجل الذي فشل في الحصول على عمل بالمتبطل. فالقيمة الاجتماعية والاقتصادية للمرأة آنذاك كانت بادية بشكل رئيس في الزواج، ووجودها خارج هذا الدور يعني أن هناك مشكلة ما. الظريف في الأمر، أننا حينما نقارن ذلك بالوضع في عصرنا، نجد أن هذا المفهوم سخيف ومضحك وخارج عن روح العصر، والأسخف منه من لا يزال يستخدمه كوصمة عار، هذا لأن مسوغات استخدامه غائبة.

 

* * * * *

وماذا حدث الآن بالضبط؟ نظرا لتغير التكوين الاقتصادي للمجتمع، لم تعد مسألة إيجاد زوج لكل امرأة مسألة بتلك الأهمية. وهذا لا يعود بالضرورة إلى دخول المرأة سوق العمل على نطاق واسع (حتى لا يتفذلك أحد ويطالب بعدم توظيف النساء!)، بل يعود لقيام الدولة الحديثة ووجود نظام للرعاية الاجتماعية، وبالتالي ما عادت مسألة عدم زواج المرأة بتلك الكارثية التي كانت عليها، فهي إما ستجد عملا يكفيها، أو مساعدة من الدولة. ولنا –كما أسلفت-أن نقارن مثلا وقع كلمة "أرملة" في الثلاثينات والأربعينات، ووقعها اليوم. الصورة التي تأتي في بال أهل ذلك الزمان هي صورة امرأة مهيضة الجناح تحتاج من يعولها، ويزداد الطين بلة إن كان لها أبناء. أما اليوم، فهذه الأرملة يمكن أن تكون موظفة أو حتى سيدة أعمال، وحتى لو كانت أمية وعاطلة عن العمل، فإن الدولة هنا هي كفيلها وهي الملزمة بسد عوزها وعوز بنيها. ومن هنا نستصعب أن نجد أرملة ترضى بأن تكون زوجة ثانية فقط من أجل الحاجة المادية، بينما كان ذلك واردا جدا في عصور سابقة.

* * * * *

 

العدل بين الزوجات (في المبيت والإنفاق) من شروط التعدد على المستوى الشخصي، لكن العدالة المجتمعية من شروط التعدد كممارسة مجتمعية. بمعنى، هل لا يزال التعدد يحقق منافع للطرفين الرجل والنساء ويحقق بالتالي شرط العدالة المجتمعية؟ وأنا هنا لا أتكلم عن شرط موجود في الشريعة، بل شرط اجتماعي يجعل الممارسة مقبولة ومرحب بأن يجعلها وسيلة لإعمار البيوت بدلا من خرابها.

الرابطة العادلة في تعدد الزوجات مالت كفتها في العصر الحالي. فنجد أن الرجل يستفيد من منافع التعدد، في حين أن منفعة التعدد للمرأة في تناقص واضح، وهذا يجعلنا نفترض أن التعدد يجب أن يتناقص إحصائيا حتى يؤدي دوره الوظيفي العادل في المنفعة المتبادلة بين جنسي المجتمع. وإلا، سنكون إزاء حالات جور و"سوء استخدام" إذا جاز التعبير. إذ نجد في وقتنا هذا أن الرجل يعدّد في الغالب الأعم للحصول على المتعة، في حين أن فائدة المجتمع من هذا التعدد غير معتبرة.  لذا، هذه النقمة التي نجدها عند النساء في هذا العصر تبدو مبررة إلى حد كبير جدا. لأن ضرر التعدد هنا أكبر من نفعه لأنه أخل بالمنفعة التي كان يوفرها لجناحي المجتمع، وصار مفيدا لجناح واحد في معظم الحالات. وأنا هنا لا أدعو إلى تعطيل أمر أباحه الله، لكني أريد أن نراه بمنظور مقاصد الشريعة، فالتعدد شرع لفائدة الرجل والمرأة، فهذا هو يقننا بالله تعالى، فهو العدل الرحيم، ولم يشرع من أجل سعادة الرجل ومنفعته فقط، فهذا تفسير إبليسي للأمر، يصد به النساء عن دين الله.

 

 

الفقه المنسي:

لا حاجة لي بأن أشرح ما يعني لامرأة أن يتزوج زوجها بغيرها، فهذا الشعور معروف ومفهوم لدى الجميع (أو لدى النساء على الاقل)، ولا ملامة فيه. لكن الملامة هنا على المجتمع، الذي يعمّي فرص المرأة لحفاظها على قلبها. فالمرأة التي تتضرر من التعدد، لها الحق كل الحق أن تشترط على زوجها في عقد الزواج ألا يتزوج بغيرها، و"المسلمون على شروطهم". وأعرف نساء اشترطن على أزواجهن كتابة في عقد الزواج ألا يمنعوهن من قيادة السيارة أو من العمل، فاين الغضاضة في زوجة تشترط ألا يتزوج زوجها امرأة أخرى غيرها؟ 

أجل، يمكنني أن أتخيل بعض الحواجب ترتفع، وبعض الشفاه تُمط اعتراضا واستسخافا للفكرة التي تأتي بها هذه الكاتبة التي تريد تثوير/إفساد النساء علينا، والتي تريد ابتداع شيء لا يقره الدين، شيء لا يأتي إلا بالمزيد من المشاكل لمجتمعنا المنكوب أصلا.

حسنا، دعوني أصدمكم قليلا. هذه الفكرة ليست من ابتداعي، بل فكرة قديمة جدا، وممارسة مقبولة. والمطلعين على الفقه المالكي يمكنهم التفصيل في الأمر بشكل أفضل مني. وإذا نظرنا إلى منطقة المغرب العربي حيث يشيع الفقه المالكي، نجد أن شرط "لا سابقة ولا لاحقة، وإلا فأمرها بيدها أو بيد وليها" يوجد بكثرة في عقود الزواج. وفي موريتانيا، نجد أن هذا الشرط هو الغالب في عقود الزواج بشكل تلقائي، والندرة النادرة هي التي تختار إلغاءه. أنه أنهم ينظرون إليه على أنه حق تلقائي من حقوق المرأة أن لا يتزوج زوجها عليها بغير إذنها.
(لمزيد من المعلومات، يمكن مراجعة موقع العربية نت، تقرير سكينة أصنيب، "لا سابقة ولا لاحقة".. شرط الزواج لنساء موريتانيات)

 

 

التعدد في ماليزيا:

القانون الماليزي لافت جدا، إنه أنه ينظم أمر التعدد وفق الضوابط التي قررها الإسلام. لكنه لا يجعل تقديرها عائدا للرجل –كونه طرفا غير محايد بطبيعة الحال- بل يعرض الأمر على قاض ينظر للحال، ثم يصدر له التصريح بالزواج الثاني إن رأى أنه الرجل مؤهل للتعدد. ووفقا لهذا القانون الصادر عام 1984، فإنه هناك شروط يجب أن تتوافر في الطلب الذي يقدمه الرجل:

1.     أن يكون الزواج عادلا وضروريا.

2.     أن يكون للرجل الموارد المادية الكافية ليعول من هو مسؤول عنهم في الزواج الحالي، والمستقبلي.

3.     أخذ موافقة الزوجة الأولى.

4.     أن يكون لديه القدرة أن يعدل بين الزوجتين وفقا لأحكام الشريعة. 

وإذا توافرت هذه الشروط، أصدر القاضي الموافقة له بالزواج من ثانية.

ووفقا لقانون صادر عام 1990، فإن أي رجل لا يعدل بين زوجتيه من حيث "توفير المعيشة، والملبس، والمسكن، وبقية المستحقات وفقا لأحكام الشريعة، فإنه يرتكب جنحة عقوبتها غرامة لا تزيد عن ألف رينغت، أو السجن مدة لا تزيد عن ستة أشهر، أو بكلتا العقوبتين".
(نص القانون نقلا عن Dr. Noor Mohammad, (2012), Reform of the Polygamy Law and Policy in Malaysia: An Empirical Study, 2 Web JCLI.)

يا للهول، لديهم هذا القانون منذ عام 1984، ونحن لا نعلم عن الأمر شيئا! هذه التجربة فعلا تستحق الالتفات والتقدير، لأنها –في جوهرها- تهدف إلى التأكد من أن هذه الزواج عادل لجميع الأطراف، ولا يتضرر منه أحد. والجميل أنه ينظر ليس فقط لحال الزوجين، بل لحال الأبناء أيضا، الحاليين، والذين قد ينجبهم الرجل مستقبلا. كما أنه يلتفت لقضية مهمة وهي أن يكون طرف محايد هو المراقب على مسألة العدل المادي بين الزوجتين، فبعض الرجال يبخل على الأولى أن تزوج بثانية، والبعض الآخر يغمط حق الثانية بحجة أن الأولى "أم عياله"، هنا نجد رادعا محايدا يحمي الزوجتين إن هو قصر ماديا في العدل بينهما. وهذا تطور رائع، مقارنة بالاعتماد فقط على تهديد الرجل بأن يأتي يوم القيامة وشقه مائل إن هو لم يعدل، فـ"إن الله يزع بالسلطان ما لا يزه بالقرآن" كما قال عثمان رضي الله عنه.

 

إضافة خيالية:

من يعدد، حاله كحال البهلوان يرمي أكثر من كرة في الوقت نفسه، الأمر مسلٍ لكنه خطر. وقبل أن يقول الرجل –أي رجل- مفاخرا "الشرع حلل لي أربع"، عليه أن يعي أنها أربع فرص للمخاطرة، المخاطرة بحسناته إن هو لم يعدل. طبعا الرد التلقائي والمتداول جاهز لدى الرجال "العدل المحاسب عليه الرجل هو العدل المادي والعدل في المبيت"، وهذا لا غبار عليه. لكن بالله عليكم، كم رجل يعدل حقا؟ لو أنشأنا مثلا مكتبا للمحاسبة العدلية (وهذه فكرة هزلية فقط لا تأخذوها على محمل الجد وتستوفزوا) مهمته أن يجمع بيانات عن إنفاق الرجال على بيوتهم المتعددة (على اعتبار أن هناك أبناء أيضا في الغالب من أكثر من زوجة، ولا بد من العدل بين أبناء الزوجة الواحدة، فما بالكم بأبناء أكثر من واحدة). هنا بإمكاننا أن نحصل على معلومات إحصائية نحكم من خلالها هل يؤثر الميل القلبي للرجل على عدالته الإنفاقية؟ سيكون أمرا مثيرا للاهتمام أن نعرف –من طرف محايد- هل يعدل الرجل المُعدد ماديا أم لا، وإلى أي حد.

 

"فلا آذن"

  أجل، أجل. أعلم، هنا من يصرخ في نفسه –أو حتى ربما علنا وبحماس كبير- بأن القانون الماليزي هذا ما أنزل الله به من سلطان، فمن أعطى المرأة الحق في رفض أو قبول زواج زوجها عليها؟
لكن هل نسينا أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يتزوج علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه- بامرأة أخرى (بنت أبي جهل) على فاطمة رضي الله عنها؟ بل أنه غضب من أجلها وصعد على المنبر، وقال قولته المشهورة: "فإنما هي بضعة مني ، يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما أذاها."
هذه الواقعة تتعرض لكثير من التسويغ والتأويل للأسف من بعض الذين يريدون حرمان المرأة من حق الاعتراض على زواج زوجها عليها.

فهم أولا يرون أن رفض النبي صلى الله عليه وسلم راجع إلى ذات المرأة وليس ضد فكرة أن يتزوج علي على فاطمة رضي الله عنهما. وذلك لأنه –صلى الله عليه وسلم قال: "وإني لستُ أُحرِّمُ حلالًا ولا أُحِلُّ حرامًا. ولكن واللهِ لا تجتمعُ بنتُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبنتُ عدوِّ اللهِ مكانًا واحدًا أبدًا"، ويرون أن سبب رفضه هو خوفه من أن تفتن فاطمة –رضي الله عنها- في دينها كما قال: "وإني أَتخوَّفُ أن تُفتَنَ في دينِها".

لكن القائلين بذلك ينسون أن عليا –كرم الله وجهه- ما كان سيتزوج بمشركة، بل بنت أبي جهل كانت قد أسلمت و"الإسلام يجب ما قبله"، ولا ذنب لها أن يكون أبوها رأس الكفر. إذا أين هي "الفتنة" التي خاف منها عليه الصلاة والسلام؟ ولماذا خاف على فاطمة –رضي الله عنها- من الفتنة، ولم يخف على علي رضي الله عنه؟

الفتنة هنا ليست فتنة في أمر الدين أو العقيدة، بمعنى أن بنت أبي جهل تحاول تشكيك فاطمة رضي الله عنها في دينها لا سمح الله، بل ما ستفعله أنها قد تجعل في قلبها غضاضة تجاه الحكم الشرعي الذي سمح لامرأة أن تشاركها زوجها، خاصة إذا كانت هذه المرأة "أدنى" منها بكل المعايير. وهو –صلى الله عليه وسلم- لا يريد أن يعرض ابنته لهذه التجربة المريرة.

وهذه المرارة التي تجترها الكثير من النساء، هي أخوف ما أخافه على الكثيرات. نعم، هناك نساء ابتعدن عن الدين، وهناك نساء سخطن على الدين، بسبب أن أزواجهن -وبعد عشرة عمر- تزوجوا عليهن، وحين اعترضن أسكتن باسم الدين. هذه هي الفتنة التي يُخشى على النساء منها، وهذه هي الفتنة التي تجعلني أرى أن التجربة الماليزية رائعة، ولها سند شرعي في إعطاء الزوجة حق أن تقول رأيها في زواج زوجها عليها، فإما أن تجيزه، وأما أن يفترقان بإحسان كما قال صلى الله عليه وسلم: "إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم".

 

خاتمة:

وإلى أن يعي الجميع كل هذا، وإلى أن تتجرأ النسوة اللاتي يشعرن أن التعدد يفتنهن في دينهن ودنياهن ويطلبن في عقود الزواج أن لا يعدد أزواجهن، وإلى أن يتسامح الرجال مع هذه الفكرة كونها تحمي النساء وتحميهم هم الرجال أيضا من الوقوع في الجور، إلى أن يحدث هذا كله، ستظل النسوة يستخدمن الطريقة القديمة-المتجددة لمنع أزواجهن من التعدد.

ماذا؟ كأني أسمع رجالا يسألون بفضول: "ما هي هذه الطريقة؟" يا للهول! أولا تعلمون؟ هل أخبرهم؟ أشعر بأني خائنة لبنات جنسي إن فعلت، وأشعر بأني أكتم علما علّمنيه الله إن لم أفعل. سأفضي بالسر، وسأفشي الحيلة إذا.

كانت النساء في الماضي يعمدن إلى إفلاس أزواجهن بكل الطرق الممكنة لضمان ألا يفكر الرجل في الزواج، وكانت الاستراتيجية المحبذة تتلخص في كلمتين "اربطيه بالعيال". وفي عصرنا الحالي، وجدت هذه الطريقة المفيدة وجها جديدا أسهل وأكثر عصرية، بأن تعمد النساء إلى التأكد بأن الرجل مديون (ويا حبذا لو كان ذلك لأكثر من جهة!) وذلك بإغراقه بقائمة من طلبات الكماليات، فهذا يتسق مع النزعة المادية لعصرنا من جهة، كما أن هذا أسهل من تقييده بكثرة العيال الذين سيقع عبء رعايتهم على المرأة أيضا، وهذا غير سائغ للنساء العاملات. وبهذا تشتري المرأة راحة بالها من جهة، وتعيش عيشة رغيدة في الوقت نفسه. ألم تلاحظوا مثلا أن الزوجات يعمّرن أكثر من الأزواج؟ أظن أن هناك أسبابا وجيهة لذلك! :)

والآن، ألا ترون أعزائي الرجال -الذين لا ينوون سلفا التعدد- أن وضع هذا الشرط في عقود الزواج أسلم لجيوبكم وأعصابكم؟