(وقت القراءة: 1 دقيقة)

أعترف بأني أدهش كثيرا حينما أصادف من لا يزال يؤمن بالروايات التي طالها التحريف في حوادث تحدّث عنها القرآن صراحة. واللافت أن هذه الحوادث غالبا ما تكون المرأة معنية بها.

وأتذكر أني حينما كنت صغيرة، سمعت من طفلة أخرى تكبرني ببضع سنين حكاية ابني آدم قابيل وهابيل. إذ أخبرتني الطفلة أن الشقيقين تعاركا على فتاة جميلة، إذ لم يكن هناك في العالم إلا فتاة جميلة وأخرى قبيحة. وأتذكر جيدا أن الأمر أقلقني جدا وسألتها "وفي النهاية من تزوج الفتاة الجميلة؟" فطمأنتني أن الأخ الطيّب نالها.

كانت هذه الرواية راسخة في ذهني باعتبارها قصة فكاهية من القصص الخرافية التي يختلقها الأطفال ويتداولونها. ونسيتها بفعل الزمن، وبفعل أنها من بنات الخيال الطفولي الذي نشأ على قصص الجميلات اللائي يتزوجن الأمراء الطيبين، ولكون الرواية القرآنية للحادثة قد حلّت محلها.

لكن هذه القصة نُكِئت مرة أخرى حينما كبرت وسمعت من مثقف ما أن سبب نزاع ابني آدم كان امرأة. هنا، غمرني شلال من الذكريات المتصارعة؛ الرواية القرآنية الصريحة، وتلك القصة الطفولية رديئة الحبكة. أتذكر أني ذكرت له الآية {...فقربا قربانا فتُقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ...} فأصر على رأيه، وأن وراء مسألة القربان غير المتقبل امرأة!

هنا أخذ مني الفضول مأخذه، وجعلت أبحث عن مسألة المرأة تلك، من الذي اخترعها بالضبط، إذ يبدو أن الطفلة لم تخترع الحكاية، بل نقلتها مع بعض الإضافات الطفولية اللازمة.

بعد التمحيص، وجدت أن الرواية الموجودة في سفر التكوين (أول أسفار التوراة) لا تختلف عما جاء في القرآن الكريم إلا في بعض الدقائق، إذ هي الأخرى تتحدث عن شقيقين أحدهما مزارع (قابيل) والآخر راعٍ (هابيل)، قربا قربانا، فقبل الله قربان الراعي، ولم يتقبل من المزارع.  من أين إذا أتت مسألة المرأة الجميلة؟ أتت من الـ"مدراش"، وهو كتاب فيه تفسيرات وتعليقات على ما ورد في التوراة. أي أنها قصة اخترقها أحد مفسري التوارة، وما أنزل الله بها من سلطان. يا سبحان الله! كيف أمكن لقصة فرعية موجودة في كتاب تفسير ما أن تتسرب بهذه الصلابة إلى عقول المسلمين؟

مهلا، وأين وجه الغرابة؟ فنحن نقلنا ما هو أشنع من ذلك عن الإسرائيليات، نقلنا ما يتعارض مع القرآن صراحة دون أن يرف لكثير منا جفن. وكثير ممن تجادلهم بما جاء في القرآن، ترى على وجوههم تسليما ظاهريا لأن ما يتلى أمامهم قرآن لا يمكنهم تكذيبه، لكن تشعر بأنّ ما رسخ في النفس تلك المرويات عن بني إسرائيل. ويتجلى هذا في 3 قصص نقلت عن الإسرائيليات:

1. أول القصص وأشهرها قصة الأكل من الشجرة. فنجد لدى الكثير من المسلمين بل والمسلمات اعتقادنا راسخا بأن حواء ظاهرت إبليس في تحريض آدم على الأكل من الشجرة بعد أن أغرتها الأفعى بذلك. وليس هذا وحسب، بل يظن كثيرون أن الشجرة شجرة تفاح (ومن هنا صارت الحَرقدة تسمى تفاحة آدم)، رغم أن ذكر التفاح لم يرد ولا حتى في التوراة. إذا، كيف تسربت رزمة الرموز المكذوبة هذه لوعينا؟ وكيف نقرأ الرواية القرآنية ونسمعها، ورغم ذلك لا تفكك الرواية التوراتية المحرفة؟ لعل تسرب هذه الرموز عبر الإعلام هو ما يصعب التخلص منها، ففي اللوحات الفنية، وأفلام الكارتون، وفي مناسبات أكبر من أتحصى، نجد تصوير التفاحة والأفعى وحواء, وهذه الرموز البصرية قادرة على كسح الكثير من القناعات والحلول مكانها دون أدني مقاومة، ودون أدنى انتباه من الضحية، إلا إذا وعي وانتبه إلى ما حلّ به. ما لا يعلمه المتشدقون بهذه الرواية بأنه يرد في سفر التكوين أن آدم عليه السلام يلقي باللائمة على الله تعالى فيما حدث بشكل غير مباشر! جاء في سفر التكوين: "وقال الرجل: المرأة التي أعطيتنيها، هي التي أعطتني من الشجرة، فأكلت منها." في حين تلوم المرأة الأفعى. والغريب أن الرواية التوراتية لا تذكر أن لإبليس ضلعا في الأمر. كل هذا جزء من مسلسل التواقح على الله الذي يطفح به ما حُرّف من التوراة. هذا وإني ليحزنني علمي بأن الزمان سيأتي بمزيد من الجحافل المسلمة المقتنعة بأنّ حواء سبب خروج آدم من الجنة، والله المستعان على ما يصفون!

2. ومما يُعجب له أن بعض الروايات الإسرائيلية تجعل البعض يؤل القرآن تاؤيلات ما أنزل الله بها من سلطان، حتى توافق ما جاء في كتب اليهود! فنجد الآية الكريمة تقول عن سيدنا يوسف {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجّدا ...}، لكن يأتيك من يقول لك أن من سجد هما أبوه وخالته. لماذا؟ لأن اليهود يزعمون أن راحيل/راشيل أم يوسف عليه السلام توفيت وهي تلد شقيقه بنيامين. ما الحل إذا في هذه الورطة؟ نقول أن من سجدت هي خالته، والخالة في مقام الأم، وهي المقصودة في الآية. بل وقد يتفذلك ويقول لك أحدهم: لو كانت أمه على قيد الحياة لصور الله فجيعتها في سورة يوسف، فمن يفجع بضياع الابن أكثر، الأم أم الأب؟

كل هذا اللف والدوران كي تناسب الرواية القرآنية الرواية التوراتية! وكأن التوراة حجة على القرآن. القرآن قالها صراحة "أبويه"، ولو كانت خالته لقال الله ذلك بلا غضاضة، فما كان الله ليضيع الأنساب ويعد الخالة أما. أما عن مسألة عدم ذكر فجيعة أم يوسف بابنها، فهذا من حُسن القصص في القرآن {نحن نقص عليك أحسن القصص ...} وبؤرة التركيز في قصة يوسف هي فجيعة أب كان يتوسم النبوة بابنه ثم فقده. نعم لابد أن الأم فجعت، لكن هل على القصة أن تورد كل شيء عن كل شخصية؟ اللهم لا، وإلا تحولت إلى هذر وثرثرات. ومثل ذلك عدم الإشارة إلى والد سيدنا موسى في القرآن الكريم. فهل كان متوفى؟ لا ندري، لكن القصة الحسنى لا تتطلب أن نعرف ما كان حال الأب، بل ما كان حال الأم.

3. ومثل ذلك قصة سيدنا داوود والـ99 نعجة. ورغم أنها غير منتشرة بين العوام، لكنها موجودة في بعض الكتب التي نقلت عن الإسرائيليات، وتتبع المبدأ السيء نفسه؛ النقل عن الإسرائيليات.

القصة الواردة في القرآن الكريم واضحة لا لبس فيها، أراد رب العزة أن يعلّم داوود عليه السلام درسا في الحكم بين الناس والقضاء، فاختبره بأن أرسل له أخوين خصمين، أحدهما يملك 99 نعجة والآخر له نعجة واحدة. فبدأ صاحب النعجة الواحدة بعرض ظلامته على داوود عليه السلام. هنا أصدر سيدنا داوود حكما بقوله {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا منهم وقليل ما هم ...} هنا، انتبه داوود عليه السلام بأنه اتخذ موقفا دون أن يسمع للطرف الآخر ذي الـ99 نعجة. خطأ شائع في القضاء بين الناس، إذ دوما يحوز الطرف الذي يبدو عليه الضعف تعاطف القاضي. هنا آب داوود عليه السلام واستغفر وغفر له. ثم تأتي آية إضافية تؤكد أن الهدف من هذه الواقعة أن يتعلم داوود عليه السلام مبادئ الحكم بين الناس {يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ....}.

لكن يأبى من حرف التوراة إلا أن يعبث بالقصة، ويهين أنبياء الله. ماذا يقول اليهود في هذه القصة؟ يقولون أن داوود عليه السلام كان له 99 زوجة، ولأحد جنوده ويدعى "أوريا الحيثي" زوجة واحدة. ويزعمون أن داوود عليه السلام كان يتلصص عليها وهي تستحم، واختلى بها فحملت منه، فأراد أن يتخلص من الجندي هذا كي يستأثر بزوجته، فأرسله في حرب وحرض الجنود على تركه وحيدا ليفتك به العدو! فأرسل الله له الخصمين ليبطنوا له الكلام، فيفطن إلى فَعلته! حاشا لله أن يقع نبي من أنبياء الله في دنس مؤامرة حقيرة مثل هذه، وحاشا الله أن يكنّي عن المرأة بالنعجة، لكن يبدو أن البعض سعداء بهذه التكنية ومستعدون لنقل الرواية المحرفة وتحريف مراد القرآن ما دامت تصب في صالح مشاعرهم المعادية للمرأة.

التوراة بعد تحريفها مترعة بالقصص المختلقة، وكثير منها يسعى إلى تحقير أنبياء الله ونسبة الآثام إليهم، وعزو شرور العالم إلى النساء. وأوضح مثال على ذلك افتراؤهم على نبي الله لوط وبناته افتراء عظيما؛ إذ يزعمون أنهما احتالتا عليه بالخمر، وأنجبتا منه طفلين!

وما هذه القصص القبيحة إلا كتلك القائلة بأن حواء أنزلت آدم من الجنة. كلها من حوض آسن واحد؛ الإسرائيليات المحرّفة التي تعكس حالة مقت المرأة الشائعة في مجتمع الذين يكتبون الكتاب بأيديهم بما يناسب أهواءهم البشرية ثم يقولون هذا من عند الله. كل ما في الأمر أن بعض القصص صارت شائعة سائغة لتكرارها ولتظافر الرموز الصورية لصالحها، والبقية صادمة تثير الاستغراب. لكننا لسنا بمأمن منها إلا حينما نعي، ونتخذ موقفا، ونتدرع بالتعقل، ونؤمن بالقرآن حقا، بدل من أن نبحث عن ما يلائم أهوائنا في المحرَّفات.

ويبقى أن نقول، قبل أن تتمنوا أن نتحرر من إسرائيل، تحرروا من الإسرائيليات!

 

إغماضة:

أتى عمرُ بنَ الخطابِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بكتابٍ أصابه من بعضِ أهلِ الكتابِ فقرأه على النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال فغضب وقال: "أَمُتَهَوِّكون فيها يا ابنَ الخطابِ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاءَ نقِيَّةً، لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبروكم بحقٍّ فتكذبوا به، أو بباطلٍ فتُصدِّقوا به، والذي نفسي بيده لو أنَّ موسى كان حيًّا ما وَسِعَه إلا أن يَتَّبِعَني."