(وقت القراءة: 1 دقيقة)

يكاد المقود يفرُّ من يديّ الغريقتين بالعرق. يرنّ هاتفي في الوقت غير المناسب أبدا. سعاد تتصل بي بإلحاح، يبدو أنها وصلت قبلي كالعادة، لكن لماذا تلح؟ أنسيتْ أنّي أحب أن أصل في الوقت المحدد تماما حتى أجنّب نفسي ممارسة قلق السؤال في فضاء الانتظار؟

يتوقف عويل اتصالها فجأة، ثم يأتي صوت رسالة هاتفية متزامنا مع وقوفي في حضرة الإشارة الحمراء:

"السلام عليكم. أنا هتاف جارة سعاد. لقد توفيت خالة سعاد عصر اليوم، وهي في حالة سيئة جدا. طلبت مني أن اتصل بك وأطلعك على الأمر كي تنوبي عنها."

يا للهول! يا للمصيبة! نعم، موت خالتها مصيبة طبعا، لكن أعني مصيبتي أنا! كيف تتركني أجابه الموقف وحدي؟ ... يا لي من جاحدة وعديمة الإحساس، كيف أقول هذا؟

ماذا أفعل؟ هل أعتذر عن التغيب عن اللقاء أيضا؟ حجة بالغة جدا للتهرب، لقد توفيت خالة زميلتي، وذهابي لمواساتها أولى من ذهابي للحلول محلها. اتصل برقم سعاد لعل جارتها ترد، لكن دون جدوى. أرسل رسالة هاتفية أطلب فيها رقم ضيفتنا "همسة كشميري" لأعتذر لها، دون جدوى أيضا. يبدو أنه لا مفر! سأذهب لبعض الوقت من باب المجاملة، وأشرح لهمسة ما حدث، ندردش قليلا، وأغادر. لن أدخل في أية نقاشات. أمنّى النفس أن أذهب ولا أجد همسة، قد تكون هتاف أخبرتها بالأمر مثلا.

كنت سأحضر اللقاء صحافيةً لتوثيق ما سيجري ونشره لاحقا على حلقات في الصحيفة، لا طرفًا في النقاش. صحافية زاهدة في المعلومات؟ صحافية خائفة من الاقتحام؟ اللهم نعم! فمن سأجلس معها خطرة جدا، ترفع أسئلة تشكيكية، وتخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بنديّة، وتغلف كل هذا بغلاف من الشعر الرقيق. هل يعقل أن أخاف من فتاة تصغرني بأكثر من عشر سنوات؟ سبق وأجريت لقاءا مع أحد أساطين تجارة السلاح ولم أخف كل هذا الخوف. ألأني خائفة على روحي لا على حياتي هذه المرة؟ خائفة من عدوى المجاورة؛ العدوى الفكرية!

أقرأ في سري دعاء الاستخارة، فتهدأ نفسي قليلا. أمضي في عزمي على لقائها من باب الذوق والحفاظ على الوعد.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

ghabat alteen hayat alyaqout

نُشرت هذه القصة في كتاب "غابة الطين" للكاتبة حياة الياقوت الصادر عن دار ذات السلاسل، 2015.

 

استشاطت الإمبراطورة "ر." غضبا من رفضه، وقالت بحدة ممزوجة بالكبرياء المفرطة: "وهل عيّنتُك مستشارا لغويا إلا كي تضمن لي المرونة والاستمرارية؟! الشباب الدائم، هذا ما أحتاج إليه أيها الهَرِم الخرِف! جد لي اسما جديدا. مع كل اسم جديد، تنبجس لي هوية جديدة، وأعود إلى ريعان الصبا، أجري بين الناس وأندس وأجوس، ولا يملك أحد السرعة للقبض عليّ. أنجع وسيلة للسيطرة على الإنسان هي اللغة. اللغة إكسيري، كل اسم جديد يدهنني بالزئبق، أغدو لامعة وعصية على الاصطياد."

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 (طبعت القصة ضمن فعاليات حملة "نوري اكتمل"، إحدى حملات نادي ريماس للفتيات التابع لمبرة طريق الإيمان)

 

أجل، أعرف تلك القصة السخيفة المكررة! فتاة فائقة الجمال ذات وجه مستدير وخدين ورديين ترتدي الحجاب، فتزداد جمالا، ويغرّد الكون حولها، وتطير الفراشات، وتحط الطيور على كتفيها.

شيء مثالي رومانسي، ولا ينطبق عليّ أبدا! أنا، من أنا؟ أنا اللاشيء، أنا التي لا قيمة لي دون شعري، أنا كتلة القبح المتوّجة بشعر فاتن، أنا التي وُضع كل جمالي في شعري. هل تعرفون ماذا يعني الحجاب لي؟ يعني أكبر كارثة في حياتي. حسنا، الحجاب للجميلات، والنقاش انتهى!

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 (فازت هذه القصة بالمركز الأول عن فئة القصة القصيرة في مسابقة وزارة الدولة لشؤون الشباب "نبقى"، مارس 2014)

 

"أنت كُبيْتيّ؟"، يسألني سائق الأجرة بفضول لزج. بوسعي أن أرى عينيه تلمعان وهو يراقبني من مرآته.

أهزّ رأسي على مضض. وددت لو أفعل مثلما يفعل صديقي الذي كان يخادعهم بقوله:

"I'm from Dahya."

لم يكذب، فكثير من المناطق في الكُبَيْت يسبق اسمها كلمة "ضاحية"! وحينما كانوا يستفسرون منه عن "داهية" هذه -ظانين أنها دولة- كان يقول لهم أنّها مكان صغير في قارة آسيا. ما أظرفه! كيف جاء بهذه التورية؟

لا أجدني متحمسا لاستخدام التورية، فسمرتي الطازجة تفضحني. كيف يمكنني إخفاء آثار النعمة، وبلدي أحد الأقطار العشرة الوحيدة في العالم التي ما زالت تنعم بالشمس؟

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 صداقة النقائض

وضعوا الجمرة على قطعة الصقيع وانتظروا. وعلى عكس المتوقع، لم يحدث شيء لأي منهما؛ لم تتبخر الأولى، ولم تنطفئ الثانية!

كان التطرف هو العامل المشترك الوحيد بينهما، وكان -هو نفسه- عامل التعايش. لقد تعاطفتا، ثم توطأتا معا، وكفت كل منهما أذاها عن الأخرى.

 

دجل
كبرت البطة القبيحة ولم تتحول إلى بجعة حسناء كما تقول القصة. اضطرت في نهاية المطاف إلى إجراء سلسلة من جراحات التجميل.

 

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

جلست "ريبيكا" -التي تزور بلادنا لأول مرّة- بين يدي جدّتي لتخط بالحنّاء على كفيها نقوشا زاهرة باهرة. التقيت بها قبل ثلاثة أيام حين جاء الوفد الثقافي الذي هي عضوة فيه إلى مقر عملي، ويبدو أن تقارب عمرينا واهتماماتنا فرش الطريق لبداية صداقة، فدعوتها لزيارتنا.

أخذنا نقضم حواشي الوقت بالثرثرة عن تاريخ الحنّاء وفوائدها. ثم جرّنا الحديث عن "ليلة الحنّة" إلى الحديث عن الزواج لدينا وطرق الاحتفال بدءًا من الخِطبة و"المِلْكة" وانتهاء بحفل العرس. ويبدو أن ريبيكا ألفت الجو، فأخرجت من جعبتها صاروخا من نوع جو-جو وأطلقت سؤالا فكريّا فقهيا بعدما أجبتُ -على ما يبدو- عن جميع أسئلتها الأنثروبولوجية!

 

- ألا تشعرين بالاضطهاد يا مَيْ إذ لا يمكنك الزواج إلا عن طريق وَلِي؟ لا أقصد التقليل من شأن دينكم، لكن ألا ترين أنه هذا فيه انتقاصا من شأن المرأة؟ آمل ألا يكون سؤالي وقحا.

 

تجمّدتُ قليلا، ثم أجبت متلعثمة وعلى وجهي ابتسامة مُنْتزعة:

- لا بأس، خذي راحتك.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

Image يقال أنّ لكلٍ من اسمه نصيب، و كان لـ"خيال" من ذلك نصيب وافر.

 

كانت تتدرّع وتتذرع بقول عالم الفيزياء آينشتاين أن" الخيال أهم من المعرفة" لتبرر شرودها الدائم وأحلام اليقظة التي ترافقها كظلها. ولا ندري حقيقةً هل هذا نتيجة لمرحلة المراهقة التي تمر بها، أم أنه طيف اسمها يلاحقها ويرمي عليها بعباءته، أم هو سوء إدارتها لحياتها. لكن ما نعلمه يقينًا عن خيال هو أنها لا تعلم الكثير عن نظريات آينشتاين سوى تلك المقولة التي حفظتها عن ظهر قلب لتتخلص بها من إلحاحات والديها وشقيقها التوأم يُوسُف.

 

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

Image بعد رحلة جويّة مضنية عاني جرّاءها صداعا خانقا وألما في مفاصلة الفولاذية الجديدة، جاء الفرج وأُودِعَ في مخزن يخيّم عليه السكون. صحيح أن المكان كان هادئا حدَّ الوحشة، لكن الرحلة الطويلة التي قطعها من أرض سور الصين العظيم إلى الأراضي العربية ألجمته تعبًا، وكان يحتاج بضعة أيام من الراحة، لا سيّما أن فارق التوقيت قد قلب ساعات نومه رأسا على عقب.

وللأمانة، لم يكن الإزعاج غريبا عليه كثيرا، فقد قضى أياما طوالا في مصنع يصطخب فيه كل شيء؛ الآلات، والبشر، ورفاقه من زُبَر الحديد الذين تشكّلوا بأشكال عدّة، ففرقتهم الأيام وتباينت المصائر. كان -يوم كان قطعة غِرَّةً من الحديد- يحلم أن يكون عندما يكبر رائد فضاء، أو بمعنى أدق جزءا من مركبة فضائية؛ مقودها أو حتى دواستها، لا فرق، المهم أن يسافر إلى أفق بعيد وأن يكون له إنجاز هائل في ذي الحياة. لكن وبعد مقاساة ووافرٍ من الضرب والسحق والحرق والتشكيل انتهى به المطاف أن يصبح حاملا للأوراق بثلاثة أرجل قابلة للطي، وعنق ممشوقة يزينها مفصل أنيق يمكن من خلاله تطويله أو تقصيره. أما صفحة وجهه فمستطيلة وعريضة وملئى بالثقوب. مسكين لا يعرف لم صنعوه هكذا، لكن هذا هو الشكل التقليدي لحاملات الأوراق، وتحديدا تلك المخصصة منها للمسارح وأماكن تسجيل الصوتيات، إنه الخضوع للأمر الواقع والعرف السائد ومتطلبات السوق. صبغوه بلون أسود براق، لون فخم، ملك الألوان هو. صحيح أنه أكثر الألوان صدوحا بالأتربة إن هي تجمعت عليه، لكنّه يظل على سُدَّة التميز.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)
الشعراوي والـ24 قيراطا
سمعت الشيخ محمد متولي الشعراوي ذات مرة يذكر نظرية جميلة ومقنعة ألا وهي نظرية الأربعة وعشرون قيراطا.
النظرية تقول أن الله أعطي كل شخص منا 24 قيراطا من النعم (صحة، ذكاء، جمال، مال، ذرية ... إلخ) بيد أن توزيعها بيننا يختلف. لكن في المحصلة النهائية لكل منا 24 قيراطا، وطبعا العدد 24 للمثال فقط وليس للتحديد. فإذا كان لدى شخص ما الكثير من المال (10 قراريط مثلا) والجمال (5 قراريط) والذكاء (5 قراريط)، لا تقل "لم عند فلان كذا وكذا" لأنك إن دققت جيدا فستجد أنه لديه 4 قراريط من الصحة فقط وليس لديه أي قيراط من الذرية. وإذا خيل لديك أن لدى فلان كل شيء، فأنت واهم حتما. الأمر وما فيه أن لدى فلان هذا قراريط قليلة من كل شيء، لكن هل يا تراه يعي ذلك ويشكره أم تراه يتمنى لو يزيد أمر وينقص أمر؟
هذه ليست دعوة لترك الأخذ بالأسباب والتغافل عن السعي. لكنها دعوة للرضا إذا لم تفلح الجهود وإذا تقطعت الأسباب.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

قيل لها ان المرء يكون مدمنا على الإنترنت اذا بالغ في التحقق من وصول رسائل جديدة في صندوق بريده الإلكتروني، فكلما حاول التحقق يجد العبارة الصادمة: "صفر رسائل". لم يردعها هذا الرأي، و لم يردعها ايضا انغماسها المطبق في الدردشة مع اكثر من شخص في ذات الوقت من اختلاس نظرة بين الفينة و الاخرى لعل رسالة تصل، و ها هي: رسالة جديدة. ضغطت بسرعة البرق حابسة نفسها فهي لا تعرف سر هذه اللذة، حتى لو كانت الرسالة سخيفة او عابرة او مزعجة، "هنالك من تذكرني على الاقل و لو بالسنة مرة" هكذا ترد.

(وقت القراءة: 1 دقيقة)

لا يحتاج سوى علبة مشروبات غازية و بوظة لابنه الصغير. أوقف السيارة و ترك المحرك دائرا مع ابنه ذي السنوات الست الذي لا ينفك يمص إصبعه رغم انه يفترض أن يكون توقف عن هذه العادة في هذا السن. يشعل سيجارة جديدة و يحذر ابنه : "كن هادئا، عصا الخيزران تنتظرك إن شاكست".

يدخل البقالة التي اشتراها مؤخرا خريج جامعي لم يجد عملا، و السيجارة في لا تفارق فمه إلا إلى يده.

يتناول حاجته فيقترب منه البقال، دخان السيجارة يحجب الرؤية قليلا بينهما.
- سيدي، التدخين ممنو...
يقاطعه " اجل، اعطني علبة سجائر من نوع.."
- التدخين ممنوع هنا
يقشر عينيه و يطقطق أذنيه، يسكت لبرهة ثم يضم حاجبيه قائلا:
- مستشفى هذا؟ ... لا تكثر معي الكلام اعطني علبة..."
- انا آسف لا أبيع السجائر، و العبارة على باب المحل واضحة، ممنوع التدخين في البقالة. أتمنى عليك أن تطفئ السيجارة
- حقا؟ أجبرني إذا استطعت؟
- اعتقد بان عليك أن تغادر بقالتي إن كنت مصرا على التدخين
- ما قصتك أنت؟ أ تريد أن تموت جوعا؟ ثم كيف لا تبيع السجائر؟ بقالة لا تبيع سجائرا؟
- الرزاق حي. لا اكسب من الخبيث
- عدنا للكلام المزعج، مت جوعا إذا. سأقاطع الشراء منك و سأطلب من كل ممن اعرفهم ذلك
- ماذا ستقول لهم؟
- سأقول انك لا تعرف أن الزبون دائما على حق. انت تحتاجني، انا لا احتاجك، هنالك بقالات كثيرة في الجوار و سوبرماركتات و...
- ما جدوى الكسب إن كان لا أخلاقيا. ما فائدة أروع مصنع و هو يكب نفاياته في البحر
- امسك، لن اشتري منك
- خذ البوظة، هدية لابنك، لا بد أن يشعر بالحر
- و ما أدراك انه ابني؟
- " ما شابه أباه فما ظلم" قالها بصوت خافت
- ماذا قلت
- لا تشغل بالك
- كم حسابك؟
-المرة القادمة
-يقرأ السعر على البوظة " لا مرات قادمة ، خذ"

يخرج مع البوظة و السيجارة. يضع السيجارة في فمه ليفتح الباب و يدخل السيارة. يتناول سيجارة جديدة، يضع السيجارة القديمة التي لم يتبقى منها الا العقب على المرمدة و لا يطفئها حتى يضع السيجارة الجديدة في فمه. يناول البوظة لإبنه.

الشاب يقف عند الأب يراقب المنظر. الطفل يمسك بالبوظة التي تكاد تذوب و لا يزال يدس إصبعه الصغير في فمه. و الأب يدس سيجارته في فمه هو الآخر.

يبتسم الشاب: " من شابه أباه فما ظلم". قالها هذه المرة بصوت أعلى.