(وقت القراءة: 1 دقيقة)


أرجو ألا تنتفض أخي القارئ لتكتب إلى مصححا الخطأ الشنيع الوارد في الآية في عنوان المقالة، فأنا –للأسف- أعني العنوان كما كتبته. خرجت للتو من نوبة تلوث بصري-عقلي، إذ جلست أتأمل في أحد الأماكن التجارية، فرأيت اللحوم والشحوم تُعرض عيانا بيانا، وإن أدري أين الحمقى الذين يدّعون أن العالم مقبل على أزمة لحوم وبروتين! رأيت ألبسة عجيبة، تبحث عن أية مناسبة لتنضو نفسها، ألبسة لا تضيق إلا عند السوءات التي يفترض بها أن تسترها. ترى، هل أصابت الانتقائية والهوائية الألبسة، فصارت تعرّي بدل أن تواري؟

 


ولتعرف هول المسألة، جرّب الخطة التالية معي، لكن على مسؤوليتك! اجلس أخي القارئ في أي مجمع تجاري، ولا تغض من بصرك، افعل هذا يومين أو يومين أو ثلاثة وستجد أن ما يفترض به أن يكون مفاتنَ، قد صار شيئا عاديا. استمر على هذا شهرا و أو شهرين، وستكون قد اجتزت مرحلة التطبيع، وستبدأ ترى المفاتن وقد صارت شيئا مقززا قد تضطر أن تغض بصرك عنك –لا حياء ولا تدينا بالضرورة- بل حفظا لما في جوفك من طعام.

الآن إلى الخطوة الثانية من الخطة، تنقّل بين قنوات الفضاء العربي الرحب، وستجد فيضانا من الثلوث الجسدي لا عاصم منه إلا الله. كرر هذا يوما أو يومين أو ثلاثة، وسترى أن الفتنة –حينما تطغى- تصيب بالتخمة الجمالية وسوء الهضم الروحي. كرره لشهر أو شهرين أو ثلاثة، وستصاب بنوع غريب من البلادة، فلا تعود تفرق بين "البوصة والعروسة"، فكل شيء ممل ومكرر، الجميلات جميلات إلى حد البشاعة، والوسام وسام حتى القبح، ولا تطلب مني شرحا، لكن افعل ما أقول لك، وستجد نفسك تفهم ما قلت، وتقول مثل قولي هذا.

أتأملُ أكثر في أكداس اللحم المتحرك، فأرى "بوية"* تمر، لم أتبين من أنها فتاة ألا من صوتها. ورجلا يمشي الهوينا حاملا كيسا من محل أدوات التجميل النسائية، علما بأنك يمكنك الاستنتاج من أن ما في الكيس لاستعماله الشخصي وليس لزوجته أو أخته أو أمه. منظر مقزز؟ لا، لا، بل هو منظر طبيعي جدا، فـ"البوية"، و"ماشي الهوينا" ينتميان انتماء أصيلا داخل الإطار الخشبي السعيد لمجتمعنا العتيد! وما هما إلا محصلة لبحث النفس البشرية عن شيء جديد، فالفتنة صارت مجانية ورخيصة وتلحق بالإنسان لحاقا مزعجا، حتى يصيح في نفسه بالعبارة الشهيرة: "ما لكم تكأكأتم علي هكذا كتكأكؤكم على ذي جنة؟ افرنقعوا!" ويبدأ الإنسان يبحث عن شيء غريب، شيء لم يصل سعره إلى الحضيض بسبب كثرة العرض وعدم تمكن الطلب من مجاراته. ومن هنا يولد الانحراف والشذوذ. إنها نزعة النفس البشرية للبحث عن شيء خاص، شيء يستحق العناء، شيء لا يحمل لافتة تقول "والدعوة عامة".

الفطرة والنواميس الربانية تسيرا يدا بيد وكتفا بكتف، ولا يمكنك أن تأخذ سطرا من القرآن وتترك السطر الآخر في الثلاجة إلى وقت الحاجة. لا يمكنك أن تلعن الشذوذ وأنت تشجّع على العري والتفسخ. فـ"صبغة الله" تسير مثل حبات المسباح أو أحجار "الدومينوز"، إن تحركت واحدة، سحبت صويحباتها. وها هو العري يشيع ويثخن في الأرض، وها هو أمر الله بستر العورات يُتجاهل. والنتيجة؟ ها هي الفطرات تفسد، فتبدأ بالبحث عن شيء أبعد ما يكون عن الفطرة. تعالوا نلملم خرزات مسابيحنا، علنا لا نرى بيننا يوما "عجلا جسدا له خوار" يتسيّد القلوب والأبصار.

__________
* بوية: كلمة عاميّة كويتي تطلق على الفتاة المسترجلة، وأصلها من كلمة Boy الإنكليزية التي تعني صبي.