لا أعرف من الذي اخترع واخترق واختلق فكرة أنّ النساء لا يبحن بأعمارهن، إذ أراه مخطئا حدَّ الفداحة. وكي أعبر عن ذلك عمليا، فإني لا أخجل ولا أتوجّل أن أعلن أنه في هذا الخميس، الخامس والعشرين من فبراير 2010 أبلغ التاسعة والعشرين، وبهذا يفصلني عن الكهولة عام واحد، فالكهل في العربية –صدقوا أو لا تصدقوا- هو من كان بين الثلاثين (أو الثالثة والثلاثين في بعض المعاجم) والخمسين.
اليوم أيضا يفصلني عام عن ما يسميه المجتمع بالـ"عنوسة"، ورغم ذلك لا أجد أية غضاضة في التصريح بعمري. ف ماذا حدث حين صرت على مشارف الجسر المؤدي إلى الثلاثين؟ هل سأموت قبل أجلي؟ هل نقص من رزقي شيء؟ هل حدث لي شيء غير الذي كتبه الله لي؟ أبدا، فلم التهويل والإفراط في التخوف من التقدم في العمر؟
يحتاج النضوج إلى عوامل عدة منها الوقت، فلِمَ يحجر المجتمع على الناس حقهم في النضوج على نار هادئة؟ أليست مناسبة سعيدة أني أكتهل؟ أني أدخل مرحلة جديدة؛ أني أقترب أكثر وأكثر من بلوغ أشدي (يرى بعض المفسرين أن جملة "بلغ أشده" في سورة يوسف تعني بلوغ الثلاثين)؛ أني أكثر خبرة؛ وأن العدّاد قد قطع مسافة كافية تؤهل عقلي بناء عليه لاتخاذ قرارات أكثر حصافة وتعقلا وموضوعية؟ أليس هذا حدثا سعيدا يوجب الفرحة والاستبشار.
أرى وأسمع عن كثير من الفتيات اللاتي يعلقن لافتة اليأس على أبواب حيواتهن بمجرد ولوجهن الثلاثين، وكيف تفعلن ذلك عزيزاتي وفي الحياة {مراغم كثيرًا وسِعة}؟ هل إنجاز الإنسان الوحيد هو الزواج فقط؟ هل هذا هو الوجه الوحيد لخلافة الله في الأرض؟ أسئلة عليكن الإجابة عليها، وعليكم إعادة ترتيب أوراقكن بناءً عليها.
ثم إذا كان هناك من يُلام لعدم زواجه فهو الرجل لا المرأة يا عزيزاتي، ففطرة البشر (بل وربما الحيوانات أيضا!) أن يتقدم الذكر للأنثى لا العكس، فما ذنب الفتاة إذا لم يتقدم لها الشخص المناسب؟ بأي حق تُعيّر، بل بأي حق تعيّر نفسها وتسمح لثقتها أن تهتز؟ بأي حق تُظلم، بل بأي حق تظلم نفسها؟ نعم، ستَسأل وستُسأل يوم القيامة {بأي ذنب قُتلت}، وقُتلت روحها وبهجتها ورغبتها في الحياة، لكنها ستسأل مرتين إن هي سمحت لنفسها أن تيأس، إن هي وأدت نفسها بنفسها حين عجزت عن رؤية الأفق الأبعد، والمشهد الأوسع.
تُنشّا الفتاة في مجتمعاتنا وتلقن بأن إنجازها الأكبر هو الزواج. والطريف أنه حين يتم لها ذلك تجدها –في كثير من الحالات- قد أحالت نفسها إلى التقاعد على جميع المستويات: فلا يعود يحلو الإنجاز، ولا يعود تحصيل العلم شيئا أساسيا، بل حتى اهتمامها بشكلها يتراجع بشكل غريب، وكيف لا، وقد أنجزت مهمتها و"ضمنت مستقبلها"، ليس ذنبها، بل ذنب المجتمع الذي يلقنها هذا ليل نهار.
شحنُ الفتاة وتحويل الزواج في ذهنها إلى هوس أمر بحاجة إلى إعادة نظر، إذ أنّ الزواج من فروض الكفاية، ولا يعقل -إحصائيا على الأقل- أن يتزوج كل البشر (رجالا ونساء). وثمة كتاب لطيف للشيخ عبد الفتاح أبو غدّة اسمه "العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج" ذكر فيه ترجمة العديد من العلماء ذوي الأسماء اللامعة والذين ماتوا دون أن يتزوجوا. منهم مثلا شيخ الإسلام ابن تيمية، ومحيي الدين النووي، وأبو القاسم الزمخشري (صاحب كتاب الكشّاف)، وابن جرير الطبري (صاحب تفسير الطبري وتاريخ الطبري). اللافت أن الكتاب لم يورد إلا عالمة واحدة هي كريمة المَرْوَزية في حين أورد العديد من الرجال، وهذا يشي بأشياء كثيرة، لكن من بين ما يشي به هو أن النساء أقلية في مجال العلم. وهذه قضية تحتاج إلى التفات ونقاش خاصة وأن الطالبات يتفوقن دراسيا بشكل باهر، لكنهن يتراجعن بشكل غريب حينما يتعلق الأمر بالدور العملي والمهني لما اكتسبن من علوم، ربما لأنهن يرين العلم مجرد قنطرة مؤقتة، وأن الزواج هو الإنجاز الحقيقي وبعده تبدأ المرأة بدخول شرنقة التقاعد الشامل التي تحدثت عنها قبل قليل. ربما، ربما.
لست هنا أحرّض على عدم الزواج، أو أحاول أن أوحي أن ثمة تعارض بين العلم والزواج، لكني أحاول أن أبين أن ثمة رسالة للإنسان على الأرض ليكون بحق خليفة لله عليها، أما كيفية أداء هذه الرسالة فيتعدد بتعدد قدرات ومواهب كل إنسان، فالزواج يمكنه أن يكون عبادة يؤجر عليها الإنسان إذا كان يصب في مصلحة دوره الاستخلافي. أما حين يتحول إلى غاية وهاجس وسيف مُصْلَت ومُسلّط على الآمال والأعمال؛ حين يتحول إلى أكبر الهم ومبلغ العلم فإننا هنا إزاء مشكلة عظمى وأزمة في فهم أنفسنا وأدوارنا. هنا لا بد أن نعلم أن الخيارات ليست إما عنب اليمن وإما بلح الشام، بل هي سلة فواكه من الخيارات والدروب تقدمها لنا الحياة كل صباح. وبدل الوقوف أمام المرآة لاستجوابها عن أجمل نساء الأرض كما كانت زوجة أب "سنووايت" تفعل، على كل منا -رجالا ونساء- أن يخرج بوصلته ويسألها: من أين الطريق؟
| < السابق | التالي > |
|---|













Comments
أهنئك ليس على بلوغك 29 من العمر ، و لكن على بلوغك هذه الدرجة من النضج و الإنجاز
مع خالص تحياتي و احترامي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,
وربما لو تحدثتُ دهرا عن ما أكنه لك دون سابق معرفة لعجبتِ كما عجبتُ من نفسي ..! لكن ربما هي الأرواح ائتلفت لفكرٍ أقرأه فأرى في ثنيّاته بقايا فكر لقارئته ..!
ولغةٍ هي قريبة من نفسي , شكرًا فقد تصفحتُ لك الكثير , وشكرا لأنك حياة القلوب , كما الياقوت , ولا أزكيك على من خلقكِ..
وليتني أحظى بموافقتك لتكوني ضمن مجموعتي البريدية التي أسأل الله أن يكون فيها ما يرضي الله أولا وآخرا , ثم ..
أسأل الله أن يبارك بعمر بعملٍ صالح حتى تلقينه يا غالية ..
أختك من السعودية ..:
أمل ..
شكرا لكَلَمك الطيب.
بوركت.
تحياتي.
لا أقول إلا جزاك الله خيرا، وشكر لك.
يسعدني التواصل معك، وهذا بريدي:
hayat
بوركتِ.
كلامك عين العقل .. الزواج ليس كل خطوات النجاح وأعظم هدف .. الفتاة حين لا يأتيها المناسب وتستمر بحياتها وفق إنتاجية وعمل ونجاح أفضل بكثير ممن تدخل حياة الزوجية ومن ثم إلى نكد وهم وفشل وتقاعس وتأخر ..
شكراً لك
صدقت وبررت.
شكرا جزيلا على مرورك الطيب.
بُوركت.
لئن اكتهلتي فلقد اكتحلنا بمقال هو السحر إلا أن للسحر رقية.
ر
كل عام وحضرتك بخير
ليس العجب من تناول حضرتك لقضية المرأة وفكرة ومصطلح العنوسة - وهو في نظري مصطلح متحيز على أقل تقدير، ليس في ذاته ولكن فيما اكتسبه من معنى من الثقافة السائدة - بهذا الوضوح والموضوعية، رغم ذاتية الحدث أو المناسبة؛ لكن العجب من أن يتناول هذا الموضوع شخصية جمعت بين المعرفة والاطلاع والعمل النشط والرأي الواضح القوي من جهة، ومن جهة أخرى الالتزام بالمعايير الصديقة لثقافتنا وغير التصادمية، في الأداء والنشر، وهو ما يعز وجوده في المتناولات لقضايا النساء للأسف.
أحيي فيك هذا التناول القوي الهاديء معاً، وأحيي أمتنا أن فيها مثلك في العمل والابتكار بعيداً عن قيود ثقافية أو أوهام قد تضر ولا تنفع.
فثقافتنا الحالية ترى من جهة أن أفضل مكان للمرأة بيتها كما تذكرين، ومن جهة أخرى يصدّون عن سبيل الزواج بكل الوسائل بحجج كثيرة ما أسهل تفنيدها، سوءاً بالمغالاة في المطالب والمقاييس في الخاطب، ومراسم الزواج، أو نشر كراهة تعدد الزوجات، أو غير ذلك.
وفي نهاية المطاف، يتولون المهمة المقدسة (!!) في نشر وطبع وتوزيع لافتة العنوسة التي تسببوا هم فيها، على جبين كل من اختارها القدر لتكون من ضحايا هذه التناقضات، غير شاعرين بالإثم، منساقين بذلك أيضاً للنزعة المرضية الدفينة للانتقاص من الآخرين ليثبتوا ﻷنفسهم تميزاً متوهماً يشعرهم بالإنجاز والقيمة!
فما تمر به النساء من فترة سميت "سن اليأس" - أي اليأس من المحيض، وليس اليأس النفسي أو الاجتماعي! - وما تمثله لدى بعضهن من غروب للأنوثة وما يتبعه من تداعيات تتخوف من حدوثها، من تغير في نظرة وتعامل شريك حياتها معها، أو تأثر قدراتها في العطاء الأسري بكل جوانبه، يمر بمثله الرجل فيما يسمى "أزمة منتصف العمر"
Midlife Crisis ، ولكن ثقافتنا المعاصرة لا تعير صبيانية الرجل التي تحدث هذه - عند بعض الرجال - أدنى نقد، بينما تضخم من المخاوف المتوقعة - والوهمية في غالبها! - للمرحلة العمرية الجديدة للمرأة .. دون نظر ﻹيجابيتها الكثيرة.
لقد عشت فى الكويت العام 1988و1989و1990و1991
كنت مدرسا للغة العربية بالجهراء
وحضرت غزو الكويت ودرست بعد العدوان
وشاهدت وعشت اياما
وعرفت اناسا لايمكن أن ينساهم القلب
وهم للحق ولله أهل علم ودينوذكرهم فخر لكل كويتى
وهم أهل(البسام)حتى اسميت ابى(باسم)
واليوم ازداد فخرا بك ويشرف قلبى وعقلى ان اضعكم وساما فوقهما.............
نعم الزواج ليس كل شئ هو مباح و ليس واجب الا على من يرى
أنه لا يستطيع أن يأمن على نفسه الفتنه أرى أن العلم وطلبه
أهم بكثير من الزواج المصيبة أن المجتمع يربي الفتاة
على أن الزواج هو أعظم الإنجازات و بدونه حياتها لا تساوي شئ
شكرًا جزيلًا لك
أخي محمد عصمت فرج
أخي رفاعي عمار
أختي نوفة
سرّني كثيرا مروركم، وكلمكم الطيّب.
فليبارك الله فيكم.
وآمل أن تستمروا في التواصل بتعليقاتكم.
تحياتي.
RSS feed for comments to this post