(وقت القراءة: 1 دقيقة)

 

كان الإغريق يرون أن الرجل أجمل من المرأة، ولعل هذا جزء من منظومة كانت ترى المرأة كائنا أقل شأنا وأدنى مرتبة. وليس أدل على ذلك من أن النساء كن -أثناء عرض المسرحيات- يجلسن على أطراف المدرجات مع العبيد.

وضع المرأة آنذاك لا يهمني في هذه المقالة، إنما ما يهمني هو إصرارهم أن الرجل أجمل شكليا من المرأة، وهذا أمر غريب جدا إذ نعلم أن الجمال الشكلي مرتبط ارتباطا لا فكاك منه بالمرأة، فالمرأة زِينة ولو لم تتجمل. لكن الورطة الحقيقية، أني -ولتعذرني أخواتي الحوّائيات- بدأت أشعر أن الإغريق على وشك إثبات نظريتهم بالضربة الفنية القاضية! ولهذا، أدعوكن واحدة واحدة للتصدي في أسرع في فرصة لما يحدث قبل أن تُقلب علينا الطاولة ونخسر عرشنا التاريخي.

 

حين أتفرّس في وجوه كثير من النساء، يرتد بصري يرتد خاسئا إذا ما بحثت عن وجه خالٍ من "الماكياج"؛ وجه يصدح في وجه العالم كما هو، دون أن يتلفّع بشيء. حينها أجد نفسي أحك رأسي وأبحث عن تبرير أواجه به دعاوى الإغريق الذين بإمكانهم –لو لم تبد حضارتهم- أن يقيموا الحجة الدامغة البالغة علينا، ويدّعوا أن جمالنا مُصنّع مصطنع.

وحين أرى نسبة من النساء يضعن أشياء غريبة على وجوههن، (ليس "ماكياجا" بالمناسبة، أطالب "ناسا" بالمزيد من الاستقصاء حول الظاهرة العجيبة!) فإني أحاول أن أبحث عن تبرير مقبول أفحم به طيف الإغريق حين أشعر بأنه سيزورنا ليقول أن النساء يرتدين أقنعة لأنهن يردن تشتيت الانتباه عن قبحهن، إذ لا يمكن أن تكون هذه وسائل تزيين، ولا حتى تزييف، بل هي وسائل تشتت الانتباه عن القبح. مثلا: الحاجبان الطائران باتجاه الجبين، إخراج أحمر الشفاه عن حدوده الطبيعية، مد الكحل إلى الصدغين، استعمال عدسات ملونة بألوان لا توجد حتى في عيون القطط، استعمال رموش اصطناعية يكاد طولها يزيد عن طول الأنف، استعمال ظلال جفون بألوان تشبه ألوان الكدمات، كلها ظواهر بهلوانية تستعملها النساء لتشتيت الانتباه عن ملامحهن الذابلة، ووجوههن الكالحة. ففي خضم هذه الفوضى، تتعطل قدرة الدماغ على إصدار الأحكام والتفرقة بين الجميل والقبيح، ويفترض الدماغ (من باب حسن النية) أن هذا الكيان غير المفهوم (وجه المرأة) جميل، إلى أن يأتي أحد ويثبت العكس!

 

كما أنني أجد لساني معقودا حين أرى الأرانب تتنازل عن المركز الأول في سرعة التكاثر لصالح الصالونات النسائية، التي تتكاثر بشكل غريب، لا يمكن تفسيره إلا بأنه نشاط تجاري مربح، والنشاط التجاري المربح يعني أن ثمة سوقا استهلاكية جيدة، وبما أن الصالونات تبيع التجميل، فهذا يعني أن نسبة القبح تتناسب طرديا مع نسبة الصالونات. وليُخَطّئني علماء الاقتصاد إن كنت مخطئة!

 

وقبل أن تستغل أحداكن الفرصة، وتستخرج صورة لي من موقع "گوگل" ووجهي مغطى بالجرم "الماكياجي" المشهود، فإني هنا لست أشنّع على "الماكياج" (وإن كان هناك محاذير شرعية للمسالة، وأسأل الله الهداية لي ولغيري)، لكني أشنع على من لا تستطيع أن تواجه الناس دونه. لا غبار على التجمّل والسعي فيه، فهذا من فطرة البشر ومن فطرة النساء خاصة، ومضيعةٌ للوقت أن نقول غير ذلك. لكن أن يكون أمرا لا خلاص من إساره، هذا ما أخشاه وأعترض عليه.

 

فلماذا يمكن للرجال (وهم كائنات أقل جمالا منا من حيث الشكل) أن يخرجوا ويواجهوا الكون بوجوههم المجردة، ولا يمكننا (والمفروض أننا أجمل منهم بالمجمل) أن نخرج دون أن نمرغ وجوهنا ونمررها على مَخْلَطَة الألوان. هل يشي هذا بحالة صَغَار نفسي لدى المرأة تظهر عمليا في شكل استلاب وارتهان لوسائل التجميل؟ هل هناك ارتباط بين تزعزع الأمان والثقة لدى المرأة، وتمسكها بالماكياج؟ سؤالان أتركهما برسم التفكير، والتفكّر.

 

ما رأيكن أن نضرب ضربة استباقية؟ فلا ضمانة أن يأتي أحدهم وينبش في نظريات الإغريق ويقيم الحجة علينا. أنا شخصيا وكي أبرئ نفسي أمام أي تهمة "خواجيّة" خرجت اليوم (الـ 15 من إبريل) دون أن أضع شيئا على وجهي، ولا حتى كحلا. وسارت الأمور بشكل اعتيادي؛ لم يفسد نظام الكون، ولم أُعاقب بمخالفة لأني خالفت المعايير العالمية للتجميل، والأجمل من هذا، أحست بانشراح رائع، أحسست بأن مفاتيحي في جيبي، وبأني امرأة يمكنني أن أقول لا حين أريد. ما رأيكن أن نعلن الخامس العشر من إبريل من كل عام يوما تخرج فيه النساء دون جلالة من المساحيق والأصباغ؟

 

اندثر الإغريق، وبادت نظريتهم. لكن الأمر لا يسلم من أن يحيي أحدهم نظريتهم في يوم أراه قريبا. لذا علينا أن نستعد؛ أن نغسل وجوهنا، ونرفع رؤوسنا. أن نقيم استئنافا لحياتنا، استئنافا سليما من حيث الشكل ومن حيث المضمون، وإلا سنفقد مقدرتنا/حقنا في التمييز، وستُرفع الجلسة، وسيمضي المحلّفون وقد أصدروا حكمهم بانتصار النظرية الإغريقيةـ ولشماتة "الخواجات" بنا حينها!