(وقت القراءة: 1 دقيقة)

(المخيّم رقم 1)
الحب شيء جميل؛ الكثير من الزهور الحمراء، والدببة الليّنة المبتسمة، والشوكلاتة المنمّقة. الحب قوس قزح كبير يلف خاصرة الأرض، من أجله يصير لون السماء ورديا، وتبدو الغيوم كـ"شعر البنات"، ويظل القمر بدرا طوال الشهر. الحب رحيق الحياة، الحب يجعل الأرض تدور!



(المخيّم رقم 2)
مهلا، مهلا! ما هذه الأباطيل؟ إليكم حقيقة الحب الحقيقيّة:
الحب ذل وويل، الحب قطعة من العذاب، بل هو العذاب بعينه. أما يكفيكم أن تتدبروا فيما حدث لروميو، وقيس بن الملوّح، وحتى "نرسيسوس" عاشق ذاته، وغيرهم من الضحايا لتعلموا أن الحب شيء يجب أن يكافح كما تكافح القوارض والأوبئة. الحب يحدث حين يتفلَّت القلب من لجام العقل. الغرام، ذلك الزكام الذي يجب اخذ التطعيمات والأمصال الواقية منه. الحب، ذلك الشِرْك الأصغر!


 

 

 

(سين جيم: حوار ذاتي بحثا عن موقع تخييم صالح)


س: حسنٌ، مع أي الفريقين يقف الحق يا ترى؟
ج: لاحظي بداية أنني في هذه المقالة أتكلم عن الحب بين الجنسين فقط، على اعتبار أن بقية أنواع الحب المسكينة تعاني كسادا وتجاهلا لا أظنني قادرة على حله في مقالة متواضعة، ولذلك قد أطلب معونة البنك الدولي في تقديم قرض حسن للتسويق لبقية أنواع الحب، لعل وعسى.

على فكرة، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، لماذا لا تُفرض "ضريبة حب" على غرار "ضريبة الكربون"؟ فقد أسقمنا المؤلفون والمنتجون بسيرة الحب في أفلامهم ومسلسلاتهم وأحاديثهم وإنتاجاتهم حتى أفسدوا ذائقة الناس وصار الحب ممجوجا مملولا. لقد استهلكوه حتى كادوا أن يهلكوه، ويهلكونا معه. لقد صرنا اليوم متبلدين تجاه الحب، بل صرنا نكره الحب من فرط تكراره، وصارت قصص الحب وأغانيه وأشعاره مثل غيمة من "المُشاهدات القَبْلِية"* (Déjà vu) تسد الأفق وتلبد الأجواء. أعلمُ جيدا أن عالم الحداثة يعيد اجترار الماضي بصيغ أخرى، وأن صرعة عصر ما تعود مجددا (مثلا عودة نسق ملابس السبعينيات)، لكن ألا يقرأ القوم التاريخ؟ ألم لا يحظوا أن البشر ومنذ أيام العرب القدامى استهلكوا الحب حتى صاروا يهذون بأبيات مضحكة مثل "أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري"؟



س: لا تتهربي وأجيبي على السؤال من فضلك، مع أي من الفريقين يقف الحق؟
ج: إذا تفكّرنا جيدا، سنجد أن المسافة الفاصلة بين الدماغ وبين القلب لا تتجاوز في الغالب 40 سنتمترا، ورغم ذلك فإنا كبشر لا نحسن الموازنة بينهما. طبعا أنا هنا آخذ بوجهة نظر الشارع التي ترى أن الحب مصدره القلب، في حين أن الأطباء يقولون أن الحب مجرد تفاعلات تحدث في الدماغ لا في القلب، علما بأنها تأخذ دورتها الطبيعية (تقول بعض الدراسات أن عمر الحب الافتراضي سبع سنوات) ولا يظل بعدها سوى العشرة الطيبة والتعود. وهذه وجهة نظر جديرة بالتأمل، إذ أنها تعني أن الدماغ (وهو أساس تكليفنا كبشر) هو المسؤول عن قراراتنا العقلانية، وأيضا عن قراراتنا العاطفية، أي أن المسافة تقلصت تماما ويفترض أن تكون الأمور بذلك أسهل.

 




س: هل نفهم من كلامك أن الحب شيء يؤخذ بالمسطرة والفرجار؟
ج: لا، لا، أبدا. ثمة عنصر لا يمكن إنكاره؛ "الارتياح"، أو "الاستلطاف"، أو"الكيمياء". ومحل حدوث كل هذا هو الروح التي هي من أمر ربي. ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"؟ وأي قرار زواج دون وجود هذه "الكيمياء" ضرب من الانتحار.




س: من تكلم عن الزواج الآن؟ موضوعنا عن الحب.
ج: سؤال وجيه كالعادة!




س: لا تحاولي استمالتي ورشوتي بالمديح، أجيبي على قدْر السؤال من فضلك.
ج: البداية الصحيحة للحب هي الزواج لدينا كمسلمين، ولا يوجد خيارات أخرى. لاحظي أني أقول البداية، وليس النهاية. مشكلة البشر أنهم يظنون أن الزواج هو "النهاية الطبيعية" للحب، وهذا ما يجعل بيوتهم مقابر!




س: لكن هل تنكرين أن الواقع أثبت بما لا يدع مجالا للشك أم الحب يتلاشى بعد الزواج؟ ثم ألم تقولي توا أن الأطباء يقولون أن للحب عمرا معينا يذوي بعده؟ كيف تدافعين عن نفسك أمام هذا التناقض؟
ج: ما تكلم عنه الأطباء هو الحب الهرموني الذي يتزيا بثياب الحب، وما أتكلم عنه هو الحب المُصنّع. وللمرة الأولى في التاريخ البشري يتفوّق المنتج المصنّع على المنتج الطبيعي، هل تصدقين ذلك؟! فهذه "الشرارة" المبدئية التي فطرنا الله عليها شيء جميل، لكنه للأسف ينطفئ بسرعة، هي شمعة في مهب ريح الحياة. كم عدد الأشخاص الذي نلتقي بهم و"نرتاح لهم"، ثم يتبغَّضون إلينا بأفعالهم؟ وكم عدد الأشخاص الذين كنا لا نطيقهم، ثم يتحببون إلينا بأفعالهم وطيب معادنهم في وقت تنفض فيه الجموع؟ الحب يفنى، ولا يبقى سوى "التحبب". يقول الرافعي "ليس كل ما يعجبك يرضيك، ولكن كل ما يرضيك يعجبك" وهذه قمة الصواب، فالذي يعجبك وتحبه ليس بالضرورة يرضيك وينفعك على المدى البعيد.




س: اممم، حسنٌ، دعيني أسالك عن جانب آخر من الأمر: لماذا تفشل الزواجات غالبا التي تسبقها قصة حب مهولة برأيك؟
ج: شيء منطقي أن تفشل، لا تصدقوا السينما ولا تصدقوا الروائيين، كل القصص التي تسبقها ملحمة عشق، تنتهي نهاية محزنة لأنها ليست إلا شهوة تتدثر بثياب الحب، ويجب أن تتم محاكمتها بتهمة انتحال الشخصية!
20% من الحب قبول نفسي (تلك الشرارة أو الكيمياء) ولكن 80% من صناعة! أجل، لا تنظروا إليّ هكذا، يا جماعة الحب صناعة! صناعة المودة والرحمة. لا تتوقعوا أن يهبط الحب من السماء هكذا دون جهد وتعب من أجله، فـ"السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة"، ولا حبا أيضا.
المشكلة أن ما يحدث اليوم أن هناك تعويلا واعتمادا مبالغ فيه على الـ 20% من الارتياح النفسي المبدئي، فيتحول –أو يُحوّل!- إلى قصة عشق. وطبعا تعرفون النهاية السعيدة لكل قصص الحب حين تزورها صخرة الواقع الصلدة على رأسها المجيد! لقد نسينا الـ 80%، لقد نسينا أن الحب معاملة ومراعاة، وهو أمر يُصنع ويُخطط له ولا يأتي عفو القريحة. ما فائدة الغرام والهيام دون أن يراعي الطرف الأول مشاعر الطرف الثاني وحاجاته ويسعى فيها والعكس؟ هناك "واجب بيتي" على الطرفين، عليهما أن يصنعا لأنفسهما اهتمامات مشتركة، بل وهموما مشتركة أيضا. كثير من العشاق تصيبهم حالة غرور واكتفاء على ما هم عليه، فلا يحاولون السعي في التعرف على الطرف الآخر والسعي في رضاه، ومن هنا تنشأ المعضلة. بل أن العشق قد يتحول إلى كره بقدر هذا العشق قياسا على قانون نيوتن الثالث "لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه". ألم يقل المصطفى صلى الله عليه وسلم "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما"؟




س: هل أفهم من كلامك تشجيعا على "الزواج التقليدي"؟
ج: الزواج التقليدي عبارة مطاطة وغير محايدة. إذا كان المقصود بها الزواج دون تعارف (أُسميه زواج امسح وقد تربح!)، فهذه جريمة وشر مستطير، حينها سيُكفر العشير وستُرد الحدائق. أما إذا قصد بها أن يسرع الطرفان المرتاحان والمقتنعان ببعضهما إلى الزواج دون أن يحولا الأقصوصة إلى رواية قابلة للتحويل إلى مسلسل مكسيكي-تركي، فإني حقا أدعو الله أن يكون هذا النوع من الزواج لدينا هو التقليد السائد.




س: سأعيد صياغة السؤال: ما رأيك بالزواج أيام الأجداد والجدات؟
ج: أفهم ما تعنين. كلنا في قرارة أنفسنا نتساءل، لماذا كانت زواجات الأقدمين تنجح وتستمر؟ والإجابة بسيطة؛ لأنها كانوا يصنعون الحب، ينسجونه كما ينسجون السدو أو شباك الصيد، بإتقان، وبصبر كبير. قد يقول قائل أنهم مضطرون للتكيف مع الوضع القائم، فلا خيار لهم سوى الزواج الذي يتم عن طريق الأهل، وإنهاؤه يجر مشاكل كبيرة على مجتمعهم الصغير. نعم، هذا صحيح، لكن احزروا ماذا حدث؟ هذا الزواج -على علاَّته وجوره وعدم مراعاته لمشاعر الطرفين- أنجح من زواجات الحب! أرجو ألا يفهم أحد أني أشجع الزواج دون تعارف الطرفين ودون حصول الارتياح المبدئي، كل ما أريد قوله هو أن زواجاتهم نجحت لأنهم صبوا جهودهم على ال80%، في حين أصابت حالة غرور المعتمدين على الـ 20% فنسوا أن يصنعوا شيئا لتتحول العاطفة إلى {مودة ورحمة} وليس مجرد عواطف ثائرة سادرة متبعثرة لا لجام لها ولا خطام. جميل حين يتعقل الحب ويكون مودة متزنة، تظهر على شكل الرحمة والمراعاة والإيثار.
في العلاقات الطويلة المدى كالزواج، لا تحتاج الفتاة إلى "دون جوان"، بل إلى رجل "إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها". هل تذكرون تلك الأغنية مسلسل "مدينة الرياح" التي كنت نرددها يوم كنا صغارا: "واللي معدنه طيب ما تغيره الأيام"؟ الحب لا يحتاج إلى "كيوبد" يطلق سهمين على شخصين فيقعان في الحب. مهلا، مهلا، سمعتم هذا التعبير؟ "الوقوع" في الحب؟! تعبير ظريف ومعبر جدا، ها ها ها! لماذا نقول أن الناس تقع في الحب ولا نقول أنها تسمو به أو فيه؟




س: رجاءً، أنا من أطرح الأسئلة وليس أنت! وسؤالي التالي هو: هل تنكرين أن الحب يصنع المعجزات؟
ج: أريد –وبشدة- أن أصدق هذه العبارة التفاؤلية، لكن المشكلة أني لا أستطيع أن أجد مثالا واحدا يعينني على ذلك. وإذا صحت هذه العبارة، فهذا يعني أننا مثلا يمكننا الاستغناء عن خدمات البعارين (الجِمال) الشهيرة التي عجزت عن حمْل الفساد في العالم العربي، لأن العشاق المتيمين قادرون على تحقيق أعجوبة وإيجاد حل للمعضلات الكبرى التي تواجه عالمنا العربي. أظن أني سأكون شاكرة لهم جدا، وكذلك الجِمال. لكني أعتقد أننا –أي أنا والجِمال الصبورة- سننتظر طويلا -إلى أبد الآبدين ربما- إذا كنا سنعتمد على أصحاب الصبابة.




س: لكن ما أدراكِ أنتِ ب تلك النظرة التي تلخص كل شيء، وتقول للمرأة أن هذا هو الرجل الذي يليق بها؟ الأمر يستحق المغامرة، يستحق الانتظار، يستحق السهر.

ج: إذا كانت الفتيات يعتقدن أن "النظرة التي تخلص كل شيء" أو النظرة الملخّصة هي نظرة مخلّصة، فإنهن مثل سذج متحمسين لنظرية دارون، يراقبون مجموعة من القردة وينتظرون منها أن تتطور إلى بشر! معظم هذه النظرات في مجتمعاتنا الشرقية –للأسف الشديد وللواقع السديد- لا تتحول إلى زواج إلا بمقدار المصادفة التي لا وزن إحصائيا لها.
لماذا؟ أولا، لأن الأعراض التي تظهر على الرجل المحب وعلى الرجل المنتمي لفصيلة "زير النساء" أعراض واحدة، ولا يمكن التمييز بينهما إلا باستعداد الأول للتقدم في أقرب فرصة على اعتبار أن الرجل الحقيقي يعبر عن حبه بالمواقف لا بالكلام، واستعداد الثاني للتملص باستخدام أية فرصة على اعتبار أنه يحتاج لأن "يكوّن نفسه" وأن يسد أية ثغرات قد يرفضه أهلها بناء عليها.
ثانيا، هذه النظرات مجانية، لا مسؤولية فيها ولا أعباء. إنها سياحة عاطفية تحت شعار المثل القائل "بو بلاش كثّر منّه"! وإبليس حين يوزع سهام النظرات فإنه يوزعها مجانا، ومعها أيضا رزمة مكتنزة ومجانية من أسهم شركة الخديعة المتحدة.
إذا كانت الفتيات يرين أن الأمر يستحق المغامرة، فإني أؤكد لهن أنها مقامرة وتعلوها لافتة إعلانية كبيرة مكتوب عليها "إنكِ تشترين سمكا في الماء"! وأمران لا يجوز للسذج التداول فيهما: بورصة الأسهم، والمشاعر.
أعلم أن كلامي قاسٍ وجارح، لكن انكسار القلب حين يستفيق من الوهم أدهى، والمتضرر الأكبر هو المرأة لأنها أكثر حساسية عاطفيا من الرجل. والتوقف في الوقت المناسب والتحقق من نيات الطرف الآخر هو السبيل الوحيد لتجنب الأعراض الانسحابية للحب. وأنا أؤمن أن المرأة هي من تستجلب لنفسها بيديها قصة حب تنتهي نهاية مأساوية! ولا أقول هذا لأن المجتمع الذكوري قد غسل مخي وجعلني اعتقد أن الرجل "شايل عيبه"، بل لأني أعتقد اعتقادا راسخا بأن المرأة هي الطرف الأقوى! هي الطرف الذي يجب عليه أن يقول "لا"، هي التي تملك قرار فرملة عجلات السيارة قبل أن تسحق قلبها تحتها. هي التي تملك الصلاحية المطلقة لوضع لافتة على قلبها تقول "عفوا، ممنوع الدخول من الشباك، يرجى الدخول من الباب". لكن إذا كانت هي مصرة على تحويل قلبها إلى سبيل للغادي والرائح، فماذا أفعل لها؟
وهذا الرأي ليس رأيي، إنه كلام الله تعالى. ففي جميع الحدود نجد تقديم الرجل على المرأة {والسارق والسارقة} وهذا تقديم أدبي لا يؤثر في العقوبة، إنما هي قواعد اللغة العربية. لكن فقط في حالة الزنا تقدم المرأة على الرجل {والزانية والزاني}، وهذا بطبيعة الحال تقديم أدبي لا يترتب عليه اختلاف في العقوبة بناء على جنس كل منهما. لكنه صافرة إنذار وتنبيه إلى النساء أنهن الطرف الأقوى الذي يحمل العلم المكتوب عليه عبارة "لا"، وهذا تكريم للمرأة لا يفطن له البعض في مجتمع يصر –لا شعوريا- على أن تظن المرأة بنفسها قلة الحيلة والضعف والسباحة مع التيار. لأنها متى ما شعرت بالقوة، لن تكون هضيمة، أو متاحة، أو سائغة، أو مجانية. آهٍ لو نقرأ القرآن كما ينبغي.
جاء في كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي قصة تحكي عن محبين التقيا في خلوة، فتلت المرأة على الرجل الآية الكريمة {الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}، " فما مضى قليل حتى اجتمعا في حلال" كما يقول الكتاب. هذه امرأة قرأت القرآن جيدا، جيدا.


 


س: هل يرتبط الحب حقا باللوعة والعذاب والجنون كما نشاهد في الأفلام ونقرأ في القصص؟ ولماذا؟
ج: جدا، جدا! وليس أدل على ذلك من أن بعض أسماء الحب في اللغة العربية -إن لم يكن معظمها!- تحمل معاني الألم، مثل الجوى وهو "شدة الوجد من حزن أو عشق"، والشعف (بالعين) وهو احتراق القلب من الحب، والتيْم وهو ذهاب العقل بسبب الهوى، والوله وهو يعني الحزن الشديد أو الحب الشديد، والتدلّه وهو الهم والحزن جرّاء العشق، والهُيام وهي كلمة تعني العطش، وتعني أيضا الجنون من العشق.
قال أحد العارفين "من أحب غير الله عُذّب به"، والحب في غير موطنه الصحيح -أي الزواج- عذاب. وهذا بالمناسبة يعيدنا إلى نقطة خبو الحب بعد الزواج، فالحب في ناحية من نواحيه نوع من أنواع الرغبة في التملك والاستحواذ، و"ما تملكه اليد تزهده النفس " كما جاء في المثل الشعبي، و"التعود يوّلد الازدراء"Familiarity breeds contempt  كما يقول الإنكليز، ويقول بن الوردي: غِبْ وزُر غِبَّا تَزِدْ حُبا فَمَنْ * * * أَكْثَرَ التَّرْدَادَ أَقْصَاهُ المَللْ

الحب نوع من أنواع التعلّق، والدليل أنه يخبو بعد الزواج (ولا أظن أجدادنا مخطئين حين سموا عقد القران ملكة) فحين "يمتلك" الطرفان بعضهما، تزول السكرة وتبدأ الفكرة، تزول الهالة وتبدأ الحالة!
ونحن حين نريد شيئا بشدة نتعذب؛ حين نريد أن نأكل "قطايف" في غير موسمها، يراودنا هذا الشعور باللوعة المسمى بالحب، وحين نريد شراء شيء ونكتشف أن المتجر مقفل اليوم، نظل متيمين بالشيء متولهين به أكثر وأكثر إلى أن نحوز عليه. وبعد ذلك، تفعل الحياة فعلها وتعود الأمور إلى موازينها الطبيعية.
وبالمناسبة، ابن القيم -رحمه الله وأحسن إليه- تكلم في "الطب النبوي" عن العشق على اعتبار أنه مرض من الأمراض، واقترح العلاجات له!





س: هل صحيح أن الناس كثيرو العشق نرجسيون ويحتاجون إلى العلاج؟
ج: حتما، والمشكلة أنهم لا يعرفون ذلك. يقال أن الحب هو "رغبة لا تقاوم في أن نكون مرغوبين بشكل لا يقاوم". الحب نوع من أنواع النرجسية، وحب الإنسان الأول هو حبه لذاته. نحن واقعون في غرام أنفسنا، ونتوهم أننا نعشق من يشعرنا بالسعادة منها أي أنفسنا. الحب حالة فيها أنانية، الحب محاولة منا لإرضاء غرورنا وحاجتنا للقبول! ولهذا نجد أن النرجسيين (وهم قوم مهووسون بأنفسهم بشدة) أكثر الناس إصرار على أن يكونوا في حالة عشقيّة دائما! أنهم قوم "واقعون" في غرام الغرام!




س: هل الحب من أول نظرة موجود؟
ج: لدى الرجل نعم، لدى المرأة لا. الحب لدى الرجل عملية بصرية، أما لدى المرأة فهي عملية عقلية. الرجل يحب من أول نظرة، أما المرأة فتحب من أول كلمة، أول تصرف، أول موقف.




س: هل ثمة حرج في أن يبحث الرجل عن المرأة الجميلة؟
ج: لا، بل ثمة حرج إذا هو لم يبحث عن الجمال الذي يناسبه، فلا "يؤدم بينهما". وللإمام أحمد بن حنبل رأي لافت، حين قال ذات مرة: "إذا خطب رَجُلٌ امرأة، سأل عن جَمَالها أوّلاً. فإن حُمِدَ، سأل عن دِينِها. فإن حُمِدَ، تَزوّج. وإن لم يُحْمَدَ، يكون رَدَّهُ لأجْلِ الدِّين. ولا يَسألُ أوّلاً عن الدِّين، فإن حُمِدَ سأل عن الجمال، فإن لم يُحمَد، ردّها. فيكون ردَّه للجمال لا للدِّين."




س: وكيف تعرف المرأة أن "الموقف الأول" أو "التصرف الأول" أو "الكلمة الأولى" حقيقية، وليست مجرد مواقف تمثيلية للرياء الاجتماعي أو محاولات لـ"خطف قلبها"؟
ج: سأسيطر على مشاعري التي توسوس لي بالضحك على عبارة "خطف قلبها" وأفر إلى صلب الموضوع. الحل بسيط وهو إجراء لقاء بين الطرفين يكون أقرب إلى مقابلة العمل! بمعنى يجب أن يكون لدى كل طرف قائمة مكتوبة من الأسئلة يريد سؤالها للطرف الآخر. بدلا من اللقاءات الاعتيادية التي تتم، حين يجلس الطرفان وبينهما ذي محرم، ثم يسارع "ذي المحرم" إلى التحجج بأي شيء ليترك المجلس لعصافير الحب، ثم يعود ليجد العصفورين لا يتكلمان إلا عن حالة الطقس في آخر 24 ساعة، ولا يزالان يسألان بعضهما عن صحتيهما!
لماذا لا تسأل المرأة الرجل الذي يتقدم لها ومنذ البداية عن الأمور التي تهمها وتقلقها. مثل ماذا؟ مثل رأيه بالزواج من أخرى، موقفه من عمل زوجته، من راتبها، حقها في السكن المنفصل، هواياته، ارتباطه بالديوانيات، هل ينوي السفر بعد الزواج مع أصدقائه للسياحة دون مرافقتها له، هل في يوجد في مصادر دخله مصادر ربوية، هل يرى أن المهام البيتية (طبخ، تنظيف، غسيل ملابس) فرض على المرأة وحدها، أم واجب مشترك على الطرفين، هل يدخن السجائر أو الشيشة، هل سيفرض عليها لباسا معينا، متى يخطط للإنجاب، كيف يرى التربية؟ مسؤولية الأم في غالبها أم عملية تآزرية. كل هذه الأسئلة التي تدور كالنحل الطنّان حول فلك دماغ حوّاء، وتُصدم بعد الزواج بإجابات غير متوقعة، هذا لأنها لم تسأل. وأنا متأكدة بأن لدى الرجال قائمة طويلة بأمور يودون معرفتها، ولا تتاح الفرصة لهم لسؤالها. ويفترض لذي المحرم أي يرفع الحرج -لا أن يرفع يديه من الأمر- ويتلقى الأسئلة من الطرفين ويدير الحوار. أعلم أن بعضكم يضحك على الفكرة المستوردة من عالم الحوارات التلفزيونية، لكن "الميثاق الغليظ" يستحق أن يؤخذ بجدية أكثر مما يحدث اليوم.




س: ما هي المواصفات التي يجب على الطرفين البحث عنها في الطرف الآخر؟
ج: بالله عليكِ، هل تصدقين أنه يمكن لأحد أن يتزوج بطريقة التبضع بـ"الكاتالوگ"؟ مواصفات؟! لا أعرف لم تذكرت صفحات طالبي الزواج في المجلات سابقا وعلى الإنترنت حاليا، حيث يقول واحدهم: "أبحث عن بيضاء، ممشوقة القوام، حنونة، وتقدس الحياة الزوجية" وتقول أحداهن "أبحث عن رجل أطول مني، حالته المادية جيدة، كريم، ويقدر الحياة الزوجية". اسمحي لي أن أجرح مشاعرهم وأقول كل هذا هراء! فما يهم ليس ما لدى الطرف الآخر من صفات حسنة تُطلب، بل المحك الرئيسي هو البحث في الصفات السيئة التي لدى الطرف الآخر وقياس مدى مقدرتنا على تقبلها من عدمه. فهناك من تقبل شخصا عصبيا وتستطيع التعامل معه، وهناك من سينتهي بها الأمر إلى فقد صوابها إن عاشت مع هكذا شخص. يمكن بسهولة إيجاد المقتدر الكريم الذي يقدس الحياة الزوجية، لكن ما يهم هو الجانب الآخر من العملة، هل تستطيع حواسنا التغافلية والتغافرية التعامل مع هذا الجانب أم لا. لذا يكون النقاش بين الطرفين قبل الزواج مهما حول هذه الأمور لا حول حفل العرس ومكان قضاء شهر العسل، وأسماء الأبناء الذين لم يأتوا بعد.




س: هل الحب أعمى؟
ج: ليس بالضرورة، لكنه يعاني من قصر النظر، والانحراف البصري أحيانا. الحلول موجودة؛ نظارات تصحيحية، عدسات لاصقة، عمليات ليزك، وكلها تتوفر حصريا لدى مستشفى تحكيم العقل.




س: ما رأيك بهذا المقطع الغنائي "عشقتك والعشق أكبر مصيبة"؟

ج: لا أرى ردا أبلغ من رد سيدنا علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه حين قال: "كل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية".



______________________

* خارج السياق:

الترجمة الوحيدة التي استطعت سبكها لتعبير déjà vu هي "مشاهدة قبلية". إذا كان لديكم ترجمات أخرى أفضل، أرجو إخباري بها. والمشاهدة القبلية لمن لا يعرفها هي شعور غريب حين نمر بموقف أو نشاهد شيئا ونجزم أننا مررنا بذلك من قبل دون أن نستطيع تحديد التفاصيل.