(وقت القراءة: 1 دقيقة)

تالله إنها لحياة مريرة يا امرأة! فأن تربى المرأة في على أنها شيء شبيه بقطعة من سمك السالمون أو حفنة من جبن القَرِيش (وكلتاهما معروفة بسرعة الفساد)، فأمر لا يُطاق، ناهيك من أن يُعقل.

وإذا سلمنا جدلا بصحة هذا الوهم الذي كبر على مدى قرون بالقوة (وطاغور يقول أن الزيف الذي لا يكبر بالحقيق يكبر بالقوة)، فإن هذا يعني أن عمر المرأة هو بمثابة تاريخ انتهاء الصلاحية الذي يجب أن يدوّن بشكل بارز وواضح على المنتج حفاظا على صحة المستهلكين، وأي تدليس فيه جناية لا تسامح فيها خاصة في عصر الشفافية. فعلى النساء أن يقبلن الرزمة كلها، لا أن يكتبن على سطر ويغفلن عن الآخر: إما أن يسلمن أنهن مجرد سلع ذات أمد محدود وبالتالي عليهن الإفصاح عن أعمارهن حفاظا على الصحة العامة! وإما أن يتعقلن -هنّ والمجتمع برمته- ويفصحن عن أعمارهن إذا استلزم الأمر، فما الضير في ذلك، وخيرنا من طال عمره وحسن عمله كما جاء في الحديث؟

 

 

أعرف، أعرف. جمال المرأة يذبل أسرع بكثير من الرجل، وهذه حقيقة علمية لست فيها أجادل. لكني أكره هذا الهوس والحالة الدفاعية التي تصيب النساء عندما لا تمهر كلمة "ربيعا" أعمارهن. يتكلمن عن "جمال الروح" و"شباب الروح" وأرواحهن تتقطع لأنهن يظهرن شيئا ويبطن شيئا آخر! قد أتقبل هذا من لاعب كرة قدم له عمر ملعبي محدود، أو عارضة أزياء لها أمد مهني لا تجاوزه، لكن هل النساء كل النساء مهنتهن في الحياة أن يكن شابات وكفى؟ ألهذا خُلقنا؟ مجددا، إنها لحياة مريرة إن كان هذا فعلا ما أراد الله لنا أن نكون، وحاشاه –عز وجل-  أن يفعل.

طيب، وحتى إذا لم يقتنع أحد بسفسطاتي، فللمسألة ثلاث خيارات عقلانية:

  • إما أن يكون شكل المرأة مطابقا لعمرها، وهنا العدالة كل العدالة أن تفصح به دون خجل أو وجل.
  • أن يكون شكلها أصغر من عمرها، وهذا أمر جميل ونادر، فلم يُخفى؟
  • أو أن يكون شكلها أكبر من عمرها، وهنا –وفقا لأصحاب مذهب السالمون وجبن القريش- عليها أن تفصح عن عمرها الحقيقي درءا لمظنة أنها كبيرة.

 

أرى كدمات زرقاء وبنفسجية على قلوب كثير من النساء، أرى ضغوطا وتحقيرات، أرى قلوبا تحترق، وأخرى يخترقها الحسد والضيق. وأعلم أن الإنسان بطبعه –رجلا أو امرأة- يضيق بكبر السن واشتعال الرأس بالشيب، وتراجع القوة. وهذا أمر طبيعي، لكن الإحساس بانعدام القيمة هو الخطر، لأنه نوع من العنف النفسي غير المرئي، يتسلل وينكث غزل الإنتاجية، ويحاول أن يحبس المرأة في قمقم، فلا ترى نفسها إنسانا استخلفه الله على الأرض، له أدوار عدة، ومسؤوليات، بل ترى نفسها مجرد "شيء"، شيء له دورة حياة، شيء حقير فانٍ، شيء معد للاستعمال مرة واحدة مثل أكواب البلاستيك، وهي قطعا شيء يمكن للعطار أو البيطار أن يطببه خارجيا فيطيل عمره قليلا، أما الروح المكسورة وجناحها المفتوت، فلا علاج له إلا بنور الوعي.

 

أقول هذا، حتى لا أرى نساء يأكلن الطعام بغصة، أو يمشين في الأسواق وهنّ مُشيّئات ومُسخّفات، لأنها سيتحولن إلى ألهية سائغة في أيدي التجار الحاذفين.

 

همست عاملة المختبر ذات مرة لامرأة شجاعة تسألها عن عمرها بشيء من التردد، فأجابتها المرأة بصوت عال: أنا في الحادية والستين، ولا أخجل من ذلك. أنا أيضا أقول مثلك أيتها الشجاعة، أقول أني ولدت في الخامس والعشرين من فبراير 1981، ويمكن لأي أحد أن يحسب عمري بعد ثلاثين أو أربعين سنة من الآن، ولن أمتعض، ولن أخجل، ولن أدلس.

أفعلنها! أعلن أعماركن بلا وجل، فلربما لا يهمك الأمر كثيرا، لكنه قد يهم أو يلهم امرأة مكسورة النفس تنتظر دورها في المختبر، خجلانة من عمرها، ولا تعلم أن سيرورة العمر سنة الله في الكون، وسنن الله لا يُخجل منها، بل يفرح لها وبها إن استعملت في رضاه.